نوّرها

جون سنو الحقيقي كان يعرف حاجات كتير!

كتب: أحمد حسين

لو كنت من متابعين مسلسل “لعبة العروش – Game of Thrones” فإنت أكيد تعرف جون سنو. ولو ماكنتش من المُتابعين ، فأكيد سمعت من أصحابك المتابعين اللي بوستاتهم مالية الفيسبوك عندك. السبب في ده إن لعبة العروش يُعتبر من أنجح المسلسلات الأمريكية في آخر 10 سنين، وجون سنو أحد أشهر الشخصيات اللي اسمها بيتذكر كتير، وغالبًا بيكون مُرتبط بجملة “أنت لا تعرف شيئًا يا جون سنو”. بس إحنا هنا مش هنتكلم عن جون سنو ده، هنتكلم عن واحد تاني كان يعرف كثير من الأشياء وحاجات كتير جدًا الحقيقة، يمكن أكتر من اللي كان يعرفها علماء عصره.

جون سنو – من مسلسل لعبة العروش. الصورة: The Wrap

بداية جون سنو

في قصر باكنجهام، في القرن التاسع عشر، والملكة فيكتوريا على وشك الولادة. الوضع كان عادي جدًا، كون الطفل ده هو تامن أطفال الملكة، فيعني ماكانش فيه جديد يُذكر، غير حاجة واحدة بس كانت غريبة في الولادة دي، وهي استخدام مُخدر حديث العهد نسبيًا وقتها وهو مُخدر الكلوروفورم، واللي استخدمه أحد أكثر علماء عصره نباهةً وذكاء، وهو الطبيب جون سنو بنفسه، الرجل والخرافة والأسطورة.

خلونا نحكي الأول نبذة بسيطة عنه، قبل ما نروح لتجربته ودراسته الأفضل. اتولد جون سنو سنة 1813 في إنجلترا. والده كان عامل شغّال في استخراج الفحم، وهو كان أول طفل في عيلة من تسع أطفال -قد عيلة الملكة فيكتوريا تقريبًا-. لما تم 14 سنة ساب البيت عشان ياخد 3 دورات تدريبية طبية. وسنة 1931 (وهو في عمر الـ 18) صادف أول حالة كوليرا في حياته خلال الانتشار الأول ليها، وماكانش عارف إن المرض ده هيكون مهم في حياته بعدين.

سنة 1949، أصبح جون سنو رسميًا طبيبًا ممارسًا بعد دراسة الطب. قبلها بكام سنة بدأ جون سنو العمل كدكتور تخدير في مستشفى سانت جورج، لأنه كان فاهم كويس في التخدير عن طريق “الأثير – Ether” والكلوروفورم، وبدأت شهرته بما إنه شاطر في موضوع التخدير ده، لحد ما وصلت شهرته للملكة فيكتوريا، اللي بعد كده أجرى ليها عمليتين ولادة بمخدر الكلوروفورم.

د. جون سنو. الصورة: Londontopia

في نفس وقت بداية ممارسته للطب رسميًا، كانت إنجلترا بتشهد الانتشار التاني لمرض الكوليرا في الفترة بين 1848 و1849. وقتها بدأ اهتمامه بالمرض، اللي كان بيقتل أعداد كبيرة من الناس، لذلك قرر جون سنو ومعاه بعض زملاؤه إنهم يعملوا جمعية لندن للأوبئة، اللي المفروض كانت تساعد الحكومة في القضاء على المرض. بس للأسف ماحدش سمعهم علشان كانوا بيقدموا فرضية/نظرية غريبة لأسباب المرض.

وقتها كان المُنتشر إن أمراض زي الكوليرا بتصيب الإنسان عن طريق الهواء الملوث أو الخانق (Miasma). أما جون سنو فكان بيقول إن الكوليرا بتصيب الإنسان عن طريق ما يُشبه الميكروب أو الجراثيم، فطبعًا قوبل كلامه برفض واستهزاء كبير من قبل البعض، والبعض الآخر قال إن الموضوع يعني فيه شك لكن مفيش حاجة مؤكدة. وفضل الوضع كده لحد ما جات موجة الانتشار التالتة اللي فضلت من سنة 1853 إلى سنة 1855.

جون سنو يعرف الكثير

قبل ما نتكلم عن موجة الانتشار التالتة -والأعنف بين الموجات اللي قبلها- خلونا نعرف شوية معلومات عن الكوليرا. الكوليرا مرض حاد جدًا، سبب الإصابة بيه هو أكل أو شرب حاجة ملوثة ببكتيريا الكوليرا. أعراضه مش دايمًا واضحة، وبتظهر خلال أول 12 ساعة لحد 5 أيام من الإصابة بالمرض، وبتكون عبارة عن إسهال مائي وتقيؤ شديدين ممكن أغلب الناس مايحسوش إنهم علامة خطر، لكنهم بعد فترة بيسببوا جفاف شديد بيؤدي في النهاية إلى الوفاة.

نرجع بقى لإنجلترا وجون سنو في القرن التاسع عشر. في الوقت ده كانت لندن مرتع للبكتيريا والقاذورات حرفيًا، أكوام من الحفّاضات والبراز مرميّن في كل حتة، والمجاري داخلة على مياه الشرب عادي جدًا، ومفيش أي حد مدرك خطورة الموضوع ده، لأن أغلب الناس مقتنعين إن العدوى بتنتقل عن طريق الهواء، فكل اللي كانوا بيعملوه إنه بيقعدوا في بيوتهم فترة أطول، فيشربوا ويطبخوا من الميّه الملوثة، فيُصابوا بالكوليرا ويموتوا بالآلاف.

الموضوع كان شاغل جون سنو جدًا، لدرجة إنه عمل دراسة وقتها اعتُبرت حداثية جدًا بالنسبة للي كان بيتعمل ساعتها. “سنو” قرر يجمّع بيانات مقاطعتين (بلدين) من لندن، واكتشف إن كل ما كانت شركات الميّه أنضف وأكثر دقة في التنقية، كل ما قلّت الوفيات، ودلل على ده بإن إحدى البُلدان كان بيموت فيها الناس بنسبة 315 من أصل 10 آلاف أسرة، في حين إن البلد التانية كانت نسبة الوفيات فيها حوالي 37 من أصل 10 آلاف.

الصورة: History Extra

في أحد الليالي، في منطقة قرب مضخة مياه “Broad Street” أُصيب حوالي 56 شخص بالعدوى، والليلة اللي بعدها أصيب حوالي 143 آخرين، ثم في الليلة اللي بعدها أصيب 116 شخص كمان، فالشك اتجه للمضخة دي، اللي بعد بحث وتحقيق طويل اكتشف الباحثين إن السبب كان حفّاضة طفل مُصاب بالكوليرا اترمت بالقرب من المضخة، مما أصاب المياه بالتلوث. فقرر ساعتها جون سنو إنه يتجه للناس اللي نجوا ويشوف السبب.

بعض الناجيين كانوا بيطلبوا تجي لهم الميّه من شركة أو مكان هما متأكدين من صحته. البعض الآخر قرروا استبدال الميه بالبيرة، فماحدش فيهم جرى له حاجة. وهنا بقى عند “سنو” حجج قوية وأدلة على إنه صح، ومش بس كده، ده كلامه عن تلوث الميّه خلّى ناس تبعد عنها، أو تغليها قبل ما تستعملها زي ما كان هو نفسه بيعمل، فقلّت أعداد المُصابين بصورة ملحوظة. رغم كل ده الحكومة ماهتمتش بكلامه، وفضلوا سايبين الدنيا تضرب تقلب، والمجاري تدخل على الميّه عادي جدًا.

نهاية مُحبطة نسبيًا

بعد مشروعه الكبير ده، اللي اعتُبر الطوبة الأولى في بناء ما يُسمى حاليًا “علم الأوبئة الحديث – Epidemiology”، واللي أكسبه لقب أبو علم الأوبئة، توفى جون سنو سنة 1858 وهو في عمر الـ 45 بعد إصابته بالجلطة. وللاسف وقتها ما أخدش التقدير اللي يستحقه، لأن الناس ما أدركتش إنه كان صح إلا بعد وفاته بسنين طويلة.

الصورة: UCLA

في أواخر القرن التاسع عشر بدأت نظرية الجراثيم اللي قال عليها جون سنو تاخد اهتمام في المجتمع العلمي، وبدأوا يبحثوا عن علاج حقيقي للكوليرا وتطعيمات للأطفال. سنة 1930 أُعيد طباعة كتابه المهم “On the mode of communication of Cholera”، اللي اتطبع أول مرة سنة 1855، وبدأ الاهتمام بيه بعد 75 سنة، لما اتعرف إن جون سنو كان صح، وكان فعلًا يعرف حاجات كتير.


المصادر:  britannica  who  popsci  bbc

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق