مشاركات حرة

“في مديح اللاشيء” لماذا علينا أن نبدأ في تضييع الوقت الآن؟

كتب: أحمد حسين

بعد أحد أيام العمل الطويلة، روّحت البيت وحسيت إني مُرهق جدًا. وقتها كان قدامي اختيارين، إما إني أنام علشان أصحى الصبح بدري، وابدأ من تاني روتين اليوم الممل اللي هيكون غالبًا شبه اللي قبله. وإما أحاول أتفرج على فيلم أو اقرأ شوية في كتاب أو حتى أقعد باصص في السقف من غير ما أعمل أي شيء، باختصار “أريّح”. والحقيقة إني تقريبًا في كل مرة كنت بختار إني أريّح على إني أنام، لأني محتاج الوقت اللي بيتقال عليه “ضايع” ده لنفسي. إيه أهميته؟ هو ده اللي هاكلمكم فيه.

الوقت كالسيف

سنة 2017، اتعرض فيلم وثائقي اسمه “في مديح اللاشيء – In praise of nothing”. الفيلم مابيتكلمش عن حاجة، عبارة عن كادرات صوّرها 62 مُصوّر سينمائي في 70 دولة مختلفة. مع تعليق صوتي من اللاشيء نفسه. الفيلم مُدته ساعة وتلت تقريبًا، تفتكروا ممكن يكون ممتع؟

لو بتحس إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه مش عارف إيه، فغالبًا هتحس إنه مش بس فيلم ممل -وده حقك تمامًا-، لكن كمان مالوش أي لازمة ولا قيمة. وللأسف هو ده غالبًا اللي بنتربى عليه. أوقات الفراغ شيء على الهامش ومش مهم، وأوقات العمل مقدسة. العمل عبادة. أما الوقت اللي بنكون “فاضيين” فيه فهو وقت “ضايع” مالوش قيمة.

الصورة: Public Domain Pictures

اعرف أكتر| النوم وأهميته لصحتنا النفسية والجسدية يا ناس!

استخدامنا للغة تحمل دِلالات سلبية وإحنا بنتكلم عن أوقات الفراغ، زي إننا نقول عليه تضييع وقت أو “Time Wasting” أمر غريب جدًا، كون إننا مش بنتكلم حتى عن رفاهية المتعة، إحنا بنتكلم بس عن ضرورة الراحة، اللي هي جزء أساسي من علاقتنا بأي عمل أو دراسة، واللي أصحاب العمل/الدراسة مدركين أهميتها تمامًا بس عاملين إنهم مش واخدين بالهم منها، رغم إن الراحة في مصلحة الشغل برضه، بس لو عليهم يخلونا نشتغل الـ24 ساعة كلهم لأنها “الكوست أوف جريتنس!” تكلفة تحقيق العظمة يعني.

كاروشي أو الموت بسبب العمل

في اليابان، الموظفين بيدفعوا يوميًا تقريبًا تمن الكوست أوف جريتنس. سنة 2009 كان فيه موظف في شركة أمنية يابانية اسمه كينجي هامادا، عمره 42 سنة، بيشتغل يوميًا 15 ساعة، ده غير 4 ساعات في المواصلات رايح جاي، يعني بالصلاة على النبي كده 19 ساعة من الـ 24 طايرين بسبب الشغل. وهو الحقيقة مش متضايق، بالعكس، هو مؤمن بأهمية العمل الشاق لنفسه وللدولة.

كان راجل جدع فعلًا، ربنا يكون في عون أسرته من بعده، لأنه مات في أحد الأيام من غير ما حد ياخد باله. وهو بيشتغل ريّح براسه على المكتب، زمايله افتكروا إنه نام، وبعد عدد من الساعات قرروا يحركوه كده يشوفوا ماله، فلقوا إنه توفى، وعرفوا بعد كده إن سبب الوفاة السكتة القلبية بسبب ضغط العمل. وللأسف دي مش أوي حالة تموت بسبب العمل.

الصورة: European CEO

سنة 1969 شاب عنده 29 سنة شغّال في إحدى الجرائد اليابانية، تحديدًا في قسم الشحن. في يوم من الأيام خلّص الراجل نوبة الشغل وفجأة وقع. بعد الكشف عليه اكتشفوا إنه مات بسبب سكتة دماغية. العلماء والأطباء وقتها ماسكتوش، خصوصًا إن الحالات دي بدأت تزيد، واللي بيموتوا أغلبهم شباب. وقتها أشاروا إلى الأمر بكلمة “كاروشي”، ومعناها الموت بسبب ضغط وإرهاق العمل.

اعرف أكتر| كلنا عاوزين سعادة.. بس إيه هي السعادة؟

تعالوا بقى نطلع من اليابان ونيجي هنا. لو سألت حد عن الشغل في مصر، هيرد بكل بجاحة بجملة “هو حد بيشتغل؟ دول مرميين على القهوة طول النهار.”، وأنا أقدر أقول لك إنه بجح جدًا، لأني أعرف بشكل شخصي عدد لا بأس به من الشباب، بيشتغل عدد ساعات طويلة جدًا علشان يقدروا يلبّوا احتياجتها الأساسية (الأكل والشرب والفواتير والسكن). واللي مابيشتغلوش عدد ساعات طويلة، غالبًا بيشتغلوا شغلانتين وأكتر في بعض الأحيان.

الشباب دول بيواجهوا خطر الموت نتيجة لضغط وإرهاق العمل، ولو فرضنا إنهم نجوا من الموت، فغالبًا هيُصابوا بأمراض جسدية ونفسية، منها -والأشهر- السكر (من النوع الثاني) وارتفاع ضغط الدم والاكتئاب واضطرابات القلق بأنواعها المختلفة. تفتكروا شباب بيدفعوا -حرفيًا- أعمارهم مقابل احتياجاتهم الأساسية، مش محتاجين -على أقل تقدير- شوية راحة؟

قيمة العمل في مواجهة الراحة

في الحقيقة أنا مابقولش الكلام ده علشان أقلل من قيمة العمل في حياتنا، سواء على المستوى المادي (فلوس وخلافه) أو على المستوى المعنوى (تقدير وتطوّر). لكن ليه أقلل من قيمة الراحة والمتعة لصالح قيمة العمل؟ ليه أقول إن الراحة مالهاش لازمة؟ للدرجة اللي تخلي عدد كبير من الناس -بالبحث البسيط على جوجل ممكن تعرفوا- بيحسوا بالذنب لما بيقضوا وقت ممتع وفاضي، بيحسوا إنهم محتاجين يعملوا حاجة مهمة، على أساس إن الراحة مش حاجة مهمة!

الصورة: Collective Evolution

بحس ساعات إن فيه بعض الناس -غالبًا بيكونوا أصحاب عمل- بيحاولوا يقللوا أوقات الفراغ، ويملوها بالعمل برضه، ولو مش عمل بالظبط، ممكن يبقى كورسات مفيدة للعمل، أو تحضير للعمل، أو أي حاجة خاصة بالعمل عمومًا نملى بيها وقتنا، علشان نحس إننا بنعمل حاجة مهمة. وصحتنا البدنية والنفسية مش مهمة. دي أفضل هدية ممكن نهديها لنفسنا بعد ضغوط الحياة المختلفة اللي بنمر بيها يوميًا، وقت فراغ هادي خالي من الإحساس بالذنب.

أهمية تضييع الوقت

ممكن نحاول نفكر مع بعض امتى آخر مرة “استمتعنا” فيها بوقت فراغنا؟ امتى قعدنا قعدة لطيفة من أصدقائنا واتكلمنا وضحكنا وأكلنا، من غير ما تكون القعدة عبارة عن “فش غل” الضغوط اللي بنتعرض لها. امتى آخر مرة أكلنا فيها مع العيلة، من غير ما نستقبل مكالمات شغل أو نفكر في اللي ورانا؟

إحنا في الحالات دي فعلًا مابنتكلمش في حاجات هامشية، إحنا بنتكلم في أساسيات حياتنا، في أساسيات الحفاظ على صحتنا النفسية والبدنية. هل الأكل الجيد رفاهية؟ هل النوم رفاهية؟ هل التواصل مع الأحباب رفاهية؟ هل استقطاع وقت لنفسنا رفاهية؟ وقت نحس فيه إننا بشر عايشين، وقت نحس فيه إننا بنعمل حاجة مش مطلوبة مننا، حاجة نفسنا فيها، وبنعملها لمتعتنا الشخصية مش علشان ناخد بونص أو كلمتين كويسين من مدير ما بيضحكش للرغيف السخن.

اعرف أكتر| معجزة الأكل .. طبق ملوخية يحميني من الاكتئاب؟

الصورة: Pixabay

لذلك، أنا دايمًا بحاول أشجع نفسي إني أعمل حاجات مش مطلوبة مني. وأنا عادةً بكره النصائح، وبستغرب الناس اللي بيشوفوا نفسهم في مكانة تسمح لهم بالنصيحة. لكني بحب اقرأ عن تجارب الآخرين، اللي هما مش زيي ولا أنا زيّهم واللي يِسري عليهم مش بالضرورة ينفعني. لكن مفيش مانع نعرف حاجة ولا اتنين، لعل وعسى يفيدونا في يوم ما.

بشكل شخصي، بحاول أتعلم أستمتع بوقتي، سواء وقت العمل أو وقت الفراغ. على قد ما أقدر بحاول أخصص أوقات لنفسي، ماعملش فيها أي حاجة، أبص في السقف، أتمشى بلا هدف، ألعب لعبة بسيطة (كوتشينة مثلًا). وساعات أحب أقرأ مقال مأجّله من فترة، أو جزء من كتاب بدأت فيه من شهر، أو فيلم كان نفسي أشوفه بقالي كتير وماكانش فيه وقت.

بحاول أنام نوم مُريح. وأكُل أكل جميل. بحاول -على قد ما أقدر- أشوف صحابي وعيلتي والناس اللي بحبها. بحاول أعمل أي حاجة هتخليني مبسوط وقادر على حماية نفسي من الأمراض البدنية والنفسية المختلفة، أينعم مش دايمًا بنجح، لكن أديني بحاول. إنتوا كمان حاولوا تشوفوا إيه اللي بتحبوه واعملوه. ولو مالقيتوش أي حاجة بتبسطكم خالص، حاولوا تزوروا طبيب مختص. وأتمنى لينا جميعًا أوقات فراغ ممتعة.


المصادر:  bbc  workhealth  vice  psychologytoday  theodysseyonline

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق