ليه وإزاي؟

التعاطف .. إزاي شعور بسيط يكون سبب في إنقاذ العالم؟

كتب: أحمد حسين

سنة 1960 كتبت هاربر لي، كاتبة أمريكية شهيرة، في روايتها الأكثر شهرة “To Kill a Mockingbird”، اللي بتتكلم عن مساوئ العنصرية، “إنك لن تفهم البشر حقًا إلا إذا نظرت إلى الأشياء من وجهة نظرهم”، وهي جملة تُعتبر قوية كونها بتتكلم عن العنصرية في وقت كان فيه عنف كبير بيتوجه ناحية الأفارقة الأمريكان، لكن ممكن نقول إنها أساس اللي هنتكلم عنه، وهو التعاطف أو التماهي الشعوري (Empathy).

هي Empathy ولا Sympathy

للغرابة، شعور التعاطف ده مُعقّد جدًا رغم إنه يبان بسيط، وبداية التعقيد من اللغة والمفردات. في اللغة العربية التعاطف معناه التشارك في المشاعر، وهو ده معنى الـEmpathy بالإنجليزي برضه، لكن دايمًا بيحصل خلط كبير بين التعاطف والعطف أو الشفقة (Sympathy)، حتى في الإنجليزي الكلمتين فيه ما بينهم خلط ولخبطة.

وعلشان نخلص من الخلط ده، هنتكلم في المقال عن التعاطف أو التماهي الشعوري (Empathy)، وهو مشاركة الإحساس مع شخص ما ومحاولة تفهّمه، ومش هنتكلم عن العطف والشفقة، باعتبارهم بيحملوا مشاعر فيها “صعبنة”، زي ما تشوف حد عنده مشكلة فتقول “يا عيني يا ابني، معلش بقى”. أما التعاطف فمفيش فيه “يا عيني يا ابني”، بس فيه مشاركة وتفهّم.

الصورة: Grammarly

التعاطف بينقسم لنوعين:

  • التعاطف الوجداني (Affective Empathy): بيعني إن شعورك يُحاكي أو يبقى شبه شعور اللي قدامك بالظبط، يعني لو مثلًا اللي قدامك خايف فإنت كمان تكون خايف، أو لو حزين فتكون إنت كمان حزين.
  • والتعاطف العقلاني أو المعرفي (Cognitive Empathy): بيعني إنك تحاول تتفهّم شعور اللي قدامك من غير ما تتورط معاه عاطفيًا، يعني لو هو غضبان فإنت هتتفهم ده وتتعامل معاه بهدوء، من غير ما تبقى غضبان زيه.

وقبل ما ندخل في أهمية وجود التعاطف في حياتنا، في تعريفين ممكن نتكلم عنهم علشان نبقى فاهمين الصورة كاملة. أولهم عدم الاكتراث أو اللامبالاه (Apathy)، ودي واضحة من معناها، إنه مايبقاش فارق معاك أي حاجة بتحصل للناس، سواء حواليك أو بعيد عنك. والتاني تنظيم المشاعر (Emotional Regulation) ودي مختلفة عن اللامبالاه، لأنك بتقرر تخفي مشاعرك في وقت ما علشان ظهورها مش مناسب، زي مثلًا الجرّاح اللي بيقرر يخفي مشاعر الخوف أو القلق على المريض علشان مايعرضش حياته للخطر.

التعاطف لإنقاذ العالم

طيب، إحنا عرّفنا التعريفات، نتكلم في المفيد بقى. ليه التعاطف مهم لحياتنا؟ مبدئيًا خلونا نذكر بعض البديهيات، البشر رغم تشابههم مختلفين، وليهم أفكار وقوانين وعادات مختلفة عن بعضهم، لكن بشكلٍ ما إحنا موجودين في مكان واحد فيعني مُضطرين نتعامل مع بعض، وعلشان نأسس للتواصل والتفاعل الاجتماعي بيننا لازم نتفق على إن ماحدش فينا يؤذي التاني، وعلشان نُدرك إن الأذى ده شيء سيء ونخاف على بعض منه.. لازم نتعاطف مع بعض.

الكلام ده -للغرابة- له ما يدعمه، وله ما يدعم عكسه، وفيه آراء كتير حواليه. خلونا الأول في الجانب المشرق من الحكاية. التعاطف زي ما اتفقنا نوعين، نوع بيخليك تحس بنفس شعور اللي قدامك بالظبط، ونوع بيخليك تتفهم شعوره من غير ما تتورط معاه عاطفيًا، هل فيه نوع فيهم أفضل من التاني؟ الإجابة آه ولأ، آه ممكن حد يكون شايف إن شعور فيهم مضر بالصحة -الأول تحديدًا-، ولأ ممكن حد يشوف إن الاتنين بيكملوا بعض.

بس خلونا نقول ببساطة إنه مش مهم مين أحسن، المهم التعاطف ده جاب نتيجة إيجابية ولا لأ. يعني مثلًا لو واحد صاحبك متضايق من حاجة في الشغل، ممكن يحس ببعض العزاء لو لقاك متضايق لضيقه، وممكن يحس إنه أفضل لو أدرك إنك فاهم مشاعره ومتفهّمها وبتتناقش معاه بهدوء. كل واحد وله شخصية مستقلة، والشخصية دي هي اللي هتحدد لك تتعاطف معاها إزاي، وبرضه على حسب شخصيتك إنت كمان.

الصورة: Inc

ليه التعاطف شعور راقي وممكن ينقذ العالم فعلًا؟ تعالوا نتخيل إن فيه شخص في خطر، وقع من على كوبري قصر النيل وبيغرق، وبيبص عليه شخصين، واحد متعاطف معاه وواحد لامُبالي، في اللحظة دي المتعاطف هو اللي هيتقدم ويحاول ينقذ الراجل ده. بالقياس، تعالوا نتخيل موقف أكبر، كارثة طبيعية مثلًا أو حرب، لو إنت متعاطف مع اللي واقعين في المشكلة دول، هتفكر تدعمهم بتمويل غذائي أو علاجي (دواء) أو تنقذهم من اللي هما فيه على قد ما تقدر.

هنا بقى بيتحول التعاطف من مجرد شعور جميل إلى ضرورة لإنقاذ البشر. ولو كانت الكوارث أكبر وعدد المتعاطفين مع المُصابين كبر معاها، فغالبًا وقتها هيبقى التعاطف ده هو الشعور اللي أنقذ العالم فعلًا. وحتى من غير كوارث، لو بس حد عزيز عليك بيمر بأزمة، وإنت تعاطفت معاه، فممكن تساعده يخرج من الأزمة دي وتفرّحه وتفرّح نفسك.

جدير بالذِكر، إن الحيوانات كمان عندها نوع من التعاطف، خصوصًا الرئيسيات والفئران، بس مش تعاطف مُشابه لتعاطفنا، هو تعاطف أقرب للمحاكاة أو التقليد. يعني لما فار يلاقي فار تاني زعلان، فغالبًا بيكون زعلان زيه كأنه باصص في مراية. السبب في ده إن الحيوانات ماعندهاش وعي ذاتي بنفسها، ماتعرفش تفرّق أوي بين نفسها والآخرين، لكن إحنا بشر عندنا وعي ذاتي، والمفروض إننا لما نتعاطف مع حد نفرق كويس بين مشاعرنا الحقيقية ومشاعر التعاطف، علشان خلط الاتنين ببعض فيه خطر على صحة المُتعاطف نفسيًا، وده ممكن ينقلنا للنقطة اللي بعدها.

الرأي الآخر

هل التعاطف دايمًا شيء إيجابي وجيّد؟ الحقيقة لأ، أو على الأقل من وجهة نظر بعض الباحثين، زي بول بلوم، أستاذ علم النفس والعلوم المعرفية في جامعة ييل الأمريكية، اللي كتب مقال طويل عن رفضه لفكرة التعاطف وتحديدًا التعاطف الوجداني، وبيقول إنه بيخلي قراراتنا خاطئة، وبتخلينا انتقائيين في تعاطفنا. وده مش رأيه لوحده، باسكال مولينبره، أستاذ علم الأعصاب في جامعة موناش الأسترالية، بيقول إن السيكوباتيين (أصحاب السلوك المُعادي للمجتمع) بيقدروا يعرفوا مشاعر غيرهم ويفهموها ويشاركوه فيها كمان، لكنهم في نفس الوقت بيكملوا في الأذى اللي بيعملوه. يعني لو مثلًا فيه سيكوباتي بيعذب شخص، هيبقى مدرك إنه بيتعذب بس مش هيوقّف التعذيب، فهو شايف إنه أهوه اتعاطف معاه ومع ذلك ماعملش حاجة.

خلينا الأول نسرد كلام بول بلوم وبعدين نشوف هل عنده حق ولا لأ. بلوم بيقول إنه التعاطف الوجداني بيخلينا مثلًا نتعاطف مع ناس أو أشياء معينة، يعني مُحب الحيوانات هيتعاطف مع الحيوانات بس، واللي عنده هم تجاه الأطفال هيتعاطف معاهم بس، واللي بيحب النباتات هيتعاطف مع الغابات والطبيعة بس. وطبعًا لو إنت عربي فهتتعاطف مع العرب والعكس صحيح وهكذا. وبكده يبقى التعاطف ده شعور انتقائي.. ويمكن عنصري مش انتقائي بس!

الصورة: Medium

أما موضوع القرارات الخاطئة اللي اتكلم عنه باسكال، فبيقول إنه مثلًا لو إنت شوفت حد عامل حادثة على الطريق، واتعاطفت معاه تعاطف وجداني قوي، فغالبًا هتاخد قرار بإنك مش هتساعده، وهتفضل واقف باصص عليه وهو بيطلب المساعدة من غير ما تعرف تساعده، وساعتها هتبقى زيك زي أي سيكوباتي غير مكترث بعذاب الشخص اللي عمل حادثة ده. ده غير طبعًا إنك لو ذكي عاطفيًا وعندك قدرة على التعاطف، فهتقدر تتلاعب باللي قدامك، طالما عارف نقاط ضعفه العاطفية، وده برضه اللي بيعمله بعض السيكوباتيين… رأيكم إيه في الكلام ده؟

من رأيي، إن كلام باسكال فيه بعض الوجاهة، لكن فيه بعض الخطأ كمان. لأن اللي بيتعاطف مش بالضرورة يقف مكتوف الأيدي قصاد الحوادث، ولا بالضرورة يتصرف فيها برضه. والمتعاطف مش بالضرورة يتعاطف مع كل ما حوله من الأشياء، مفيش مشكلة إن جزء يتعاطف مع الحيوانات، وجزء مع النباتات، وجزء مع البشر، وجزء يتعاطف مع الأشخاص القريبين منه، واللي عندهم نفس أفكاره، وجزء يتعاطف مع البشر بغض النظر عن أفكارهم، إيه المشكلة في التنوع طالما بيكملوا بعض في النهاية، وإن المُتعاطف ده هيكون -في أغلب الأحيان- شخص غير مؤذي، ومش هيحاول يبادر بالأذى لغيره بأي حال من الأحوال تحت مسمى التعاطف ومشاركة اللي بيحبهم دول وجدانيا.

التعاطف اختيار

في مقاله على موقع “Scientific American” كتب جميل ذكي، أستاذ مساعد في قسم علم النفس بجامعة ستانفورد الأمريكية، إن التعاطف ده في النهاية اختيار، وحاجة نقدر نتدرّب عليها ونتعلمها ونتعلم إزاي تكون مفيدة. الشخص الذكي عاطفيًا أو السيكوباتي اللي بيكون عارف شعور اللي قدامه وبيقرر إنه يتحكم فيه ويتلاعب بيه أو يؤذيه ده شخص عنده خلل، ولو ماعندوش فهو بيختار إنه مايتعاطفش لا شعوريًا ولا عقليًا، ولا حتى بيقرر ياخد خطوة تجاه المساعدة بأي حاجة، فيعني صعب نطلق عليه لفظ “متعاطف”.

وللتدليل على ده بيذكر جميل ذكي دراسة بعنوان “انهيار التعاطف – Collapse of Compassion” عملها باحثين في جامعة نورث كارولينا اسمهم كيث باين ودارل كاميرون. خلال البحث عرض الباحثين على المُشاركين فيه عدد من الصور لأطفال بيعانوا من حرب دارفور. صورة منهم كان فيها طفل، وصورة كان فيها 8 أطفال، فالمشاركين حسوا بالتعاطف.

الصورة: Hyper Island

بعد عرض الصور، الباحثين قالوا لهم إنهم ممكن يتبرعوا لإنقاذ الأطفال دول. فاللي حصل إن بعض المشاركين حسوا بعدم التعاطف فجأة، وبعضهم حس إنه متعاطف مع الولد بس وممكن يتبرع له ومايتبرعش للتمانية التانيين. وده خلّى جميل ذكي يقول إنه مش بالضرورة المتعاطف يعمل حاجة كويسة، ولا بالضرورة يعمل حاجة سيء، هو اختيار وعلى كل شخص إنه يقرر هيتعاطف وتعاطفه ده هيحوله لأفعال، ولا هيتعاطف بس من غير فعل، ولا مش هيتعاطف خالص.

في النهاية الموضوع زي ما ذكرنا في البداية مُعقد جدًا، دراسة النفس البشرية من أكثر الأشياء تعقيدًا، لأنها مابتتعاملش مع أشخاص شبه بعضهم، وفي نفس الوقت مش مختلفين عن بعضهم أوي، فالاختلافات الصغيرة الفردية دي بتعمل فجوة كبيرة بين البشر وبعضهم. لذلك الاختيار في إيدكم إنتم، شايفين التعاطف شعور نبيل ولا شعور سيء؟ وهل مستعدين تتعاطفوا وتحولوا التعاطف لفعل؟ ولا تعاطف من غير فعل؟ ولا لامبالاه؟ الاختيار ليكم.


المصادر: theconversation medium  scientificamerican  scientificamerican  newyorker  scientificamerican

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق