مشاركات حرة

روزاليند فرانكلين وحقيقة اكتشاف الحمض النووي: سرقة أم اقتباس؟

كتبت: رضوى حسني

في يوم 3 نوفمبر سنة 2010، وبالتحديد في ستوديو “إنسمبل” بدأ عرض مسرحية جديدة للمؤلفة “آنا زيجلر” بطلة قصتها هي واحدة من أهم العالمات اللي مروا على تاريخ العلم في القرن العشرين وهي عالمة الفيزياء الحيوية روزاليند فرانكلين. تعمدت آنا من خلال مسرحيتها إنها تزيل الغطاء عن واحد من أكبر الألغاز العلمية على الإطلاق، وهو لغز اكتشاف الحمض النووي (DNA).

روزاليند فرانكلين ولغز اكتشاف الحمض النووي

وعلشان نعرف القصة من البداية هنرجع بتاريخ عرض المسرحية لورا، بالتحديد أواخر سنة 1950، لما حصلت روزاليند على منحة للشغل كباحثة لمدة 3 سنين في كلية كينج. لما رئيس الكلية “جون راندال” عيّنها كباحثة مستقلة ومسؤولة  عن إنشاء وتحسين وحدة الأشعة السينية (X-Ray) للاستفادة من خبرتها بالمجال، على عكس توقع زميلها “موريس ويلكنز” اللي كان مسافر في الوقت ده. ويلكنز لما رجع افتكر إن روزاليند هتبقى مجرد مساعدة ليه مش زميلة ليه في الشغل. لاء، وكمان هتشتغل على نفس مشروعه البحثي؛ التعرف على تركيب الحمض النووي. كمان إن مساعدها “رايموند جوزيلنج” كان بيشتغل تحت إشراف ويلكنز قبل ما ينضم للشغل معاها بدون علم منه، وده اللي زاد من غضبه تجاه روزاليند.

روزاليند فرانكلين وموريس ويلكينز

لما انضمت روزاليند للكلية اندهشت جداً من الوضع اللي شافته هناك. وقتها الباحثات كانت بتتعرض لعنصرية في التعامل جوه الكلية زي إنهم كانوا ممنوعين من دخول حجرة الباحثين العامة، ده غير إن الكلية كانت بتفصل بينهم في المرافق المخصصة لتناول وجبات الطعام، فكان من الصعب وجود أحاديث ودية مشتركة وتبادل للأفكار بين الباحثين والباحثات، واللي كان ممكن يساهموا بشكل كبير في تطور العملية البحثية جوة الكلية، لو كانوا حصلوا.

اعرف أكتر| القصة الحقيقية لأرقام ناسا الخفية!

كان من المعروف عن روزاليند امتلاكها للحجة القوية وأسلوبها القوي في المناقشات، على عكس موريس اللي كان هادي بطبعه وبيتجنب الدخول في أي جدال. ونتيجة لاختلاف شخصياتهم، كان من الصعب إنهم يلاقوا حاجة مشتركة بينهم يبنوا عليها علاقة صداقة ودودة.

كمان فرانكلين كان ليها شخصية غريبة حسب كلام صديقتها “نورما ساذرلاند”. كانت فظة وهجومية إلى حد ما في كلامها مع الناس، فكان أحياناً بيحصل عدوات بينها والناس اللي بتتكلم معاهم، بس هي ماكنتش بتهتم لده.

وفعلاً نتيجة شخصية روزاليند التصادمية، حصل فجوة في التعامل بينها وبين ويلكينز، و توتر في أجواء الشغل في كل، فكان من الصعب جداً إنهم يشتغلوا سوا على نفس النقطة البحثية لاكتشاف تركيب الحمض النووي.

اكتشافها لتركيب الدي إن ايه (DNA)

بدأت روزاليند محاولاتها لاكتشاف شكل الحمض النووي باستخدام الأشعة السينية (X-Ray) – واللي ليها اسم تاني “أشعة رنتجن”. وهي عبارة عن أشعة كهرومغناطيسية بتخترق الجسم وبتعدي من الناحية التانية علشان تسقط على لوح بيكون موجود ورا الجسم ده، فتطلع صورة الجزء المخترق من الجسم عليه، زي صور الأشعة السينية بتاعت العظام.

فرانكلين أثناء عملها/ صورة: إنترنت

روزاليند فعلاً نجحت في التوصل لشكل الـDNA والتعرف على تركيبه من خلال حصولها على مجموعتين من الصور عالية الدقة للحمض النووي. وقدرت هي وجوزيلنج _مساعدها_ يتعرفوا على أبعاد شريط الحمض النووي وتركيبه الحلزوني المزدوج،وطبيعة مكوناته وطرق توزيعها جوه شريط الدي إن ايه الواحد.

حقيقة سرقة واتسون وكريك  لصورة 51

“فرانسيس كريك” واحد من باحثي جامعة كامبريدج. معروف عنه ذكاؤه وعقله الخصب. كان على علاقة صداقة مع ويلكنز. أما “جيمس واتسون” فهو زميل كريك، اشتغلوا سوا للتوصل لطبيعة تركيب الحمض النووي برضه. كان معروف عن واتسون حماسه الشديد للتعرف على تركيب الـDNA.

اعرف أكتر| الحمض النووي: أنا 60% موز؟

واتسون وكريك كانوا شغالين على أبحاثهم في نفس الوقت اللي كانت فرانكلين وجوزلينج شغالين على أبحاثهم الخاصة بنفس الموضوع. بعد ما توصلت فرانكلين لتركيب الحمض النووي، ألقت محاضرة بتشرح فيها النتايج اللي توصلت ليها،  وحضرها عدد من الباحثين كان من بينهم واتسون، اللي اعترف في كتابه الحلزوني المزدوج “The Double helix”، بإنه ماكنش مهتم بكلام فرانكلين اللي قالته في المحاضرة علشان كده ماعرفش يشرح لكريك البيانات اللي توصلت ليها فرانكلين.

كريك وواتسون/ صورة: Barrington Brown / Camera Press

في بداية سنة 1951 واتسون وكريك اشتغلوا على تصور تاني لتركيب الحمض النووي بعد توقف لفترة بأمر من “لورانس براج” رئيس معمل كافنديش التابع للجامعة بسبب وضعهم لتصور خاطئ جداً لتركيبه، لما اعتبروا إن الـDNA شريط ثلاثي مش مزودج.

وفي نهاية نفس السنة راح واتسون في زيارة لكلية كينج، وهناك ويلكنز وراه صورة اسمها 51 _اتنشرت بعدين لفرانكلين في مجلة نيتشر_ وهي نفسها اللي التقطها جوزلينج _مساعد فرانكلين_ لإنه وقتها بقى عنده خبرة في تصوير الحمض النووي بالأشعة السينية بعد اللي اتعلمه من روزاليند فرانكلين قبل ما تسيب الكلية وجوزلينج يرجع تاني للشغل تحت إشراف ويلكنز.

صورة 51 لتركيب الحمض النووي الحلزوني المزدوج/ صورة: إنترنت

واتسون بمجرد ما شاف الصورة 51 قال “الصورة كانت أوضح إلى حد بعيد من أي صورة تانية شفتها لتركيب شريط الحمض النووي المزدوج”.

ورغم وقوع الصورة المهمة دي في إيد واتسون وكريك إلا إنهم ماكانوش قادرين ياخدوا خطوات تانية لإثبات حقيقة التركيب ده بالدراسات والأرقام، لغاية ما مدير معمل كافنديش قدر إنه يتوصل لتقرير بحثي لروزاليند فرانكلين بيشمل أرقام وبيانات خاصة بدراستها في رحلة التعرف على تركيب الحمض النووي.

تضارب الآراء

في جزء كبير من الحقيقة اتعرف لما تغيب واتسون في مرة عن حضور حلقة للنقاش بسبب حضوره مؤتمر تاني كان متعود يحضره بشكل مستمر. واتسون مفروض كان هيتكلم عن اكتشافه لتركيب الحمض النووي وعلاقته بفرانكلين. فتمت حلقة النقاش في غيابه بحضور “نيكولاس ويد” محرر ومراسل علمي لمجلة نيويورك تايمز، وعالمة الأحياء بجامعة كاليفورنيا وتلميذة فرانكلين “لين عثمان إلكين”.

خلال المناقشة دافع ويد عن كريك وواتسون في إنهم استخدموا معلومات كانت متاحة بالفعل مش عن طريق سرقة أبحاث فرانكلين، ونفى إن يكون واتسون شاف صورة 51 لما كان في زيارته لكلية كينج. وإن إن كريك أكد إنه استخدم الصورة بشكل أخلاقي بعدما شافها في التقرير السنوي لمجلس البحوث الطبية. وإن كمان المعلومات نفسها روزاليند قالتها في المحاضرة بتاعتها اللي حضرها واتسون، وإنها نفس المعلومات والصورة اللي نشرتها فرانكلين في مجلة نيتشر بعدها.

ويد شاف وقتها إنه طالما فرانكلين ما أبدتش أي رد فعل وقتها تجاه موضوع السرقة ده، يبقى أكيد ما حصلش، واستبعد إنها تكون تعرضت لأي عنصرية أو تمييز جنسي لكونها امرأة باحثة.

في الحالة دي لو كلام كريك كان صح، أومال ليه واتسون قال في كتابه إنه ماقدرش يوصل المعلومات اللي قالتها فرانكلين في المحاضرة لكريك علشان ماكانش مركز في المحاضرة؟ وإزاي محاضرة بالأهمية دي وبتناقش موضوع بحثي خطير ونتايج مكملة لمشروعهم ومايكونش واتسون المتحمس للموضوع جدا مركز فيها؟!

ويد علق على التساؤلات دي بإنه اعتقد إن حصل فهم خاطئ لأجزاء من كتاب واتسون نتيجة لافتقاده الخبرة الكافية وقت كتابته للكتاب ده لإنه كان لسة في العشرينات من عمره. إنتوا رأيكم إيه في كلام ويد؟!

غلاف كتاب الحلزون المزدوج لجيمس واتسون/ صورة: amazon

تساؤلات تفرض نفسها

أما بقى عن رأي “إلكين” الضيف التاني لحلقة النقاش، واللي كان طبيعي يكون منصف لفرانكلين باعتبارها أستاذة إلكين، فكان إنه حتى لو صح كلام كريك عن استخدامهم النتايج اللي موجودة في التقرير، فمالهمش حق يستخدموها لإنه من غير المهني والأخلاقي عرض تقارير لسه ماتمش نشرها على فريق منافس من الأساس.

وقالت إن البيانات اللي حصلت عليها فرانكلين انتقلت من معمل كلية كينج لمعمل كافنديش في جامعة كامبريدج بتواطؤ سري بين راندال و براج، رؤساء المعامل دي.

من وجهة نظر إلكين إنه لولا النتايج اللي حصلت عليها فرانكلين ماكانش حد من التلاتة (واتسون، كريك، ويلكنز) كان هيقدر يتوصل للشكل النهائي للحمض النووي. وعلشان كده بتشوف إنها كانت أحق بنوبل من واتسون وكريك وويلكنز اللي حصلوا عليها سنة 1962 بعد وفاة فرانكلين، ولإن اللجنة المسؤولة عن منح جوايز نوبل ما بتمنحش جوايز للعلماء المتوفين، فما حصلتش على الجايزة معاهم وقتها.

كريك وواتسون وويلكينز أثناء تسلمهم جائزة نوبل في الطب 1962

وأما عن كتاب واتسون فرأي إلكين كان مخالف لرأي ويد كما هو متوقع، ونصحت الحضور بإنهم يقروه لإنه كتاب كويس. السؤال هنا كان هل إلكين كانت شايفة كتاب واتسون فعلا مميز، ولا علشان الهجوم يزيد أكتر على واتسون وإنه فعلا زي ما قال ويد ممكن يزود الفهم الخاطئ عن حقيقة واتسون وكريك؟

الأقوال متضاربة لكن لحد دلوقتي كفة فرانكلين هي الأتقل، وإنها لو ما تعرضتش لسرقة بياناتها فعلى الأقل تعرض لتعامل غير نزيه مع أبحاثها والبعض بيعتقد إن الموضوع تم بدون علمها لغاية ما مامت، والدليل على كده إنه ما اتذكرش بشكل صريح أي معلومات عن موقفها من اللي حصل معاها.. وآراء تانية بتقول إنها ما اهتمتش بالبروباجندا دي كلهها وإنها أدت شغلها وانتقلت بعده لشيء جديد.

حياة فرانكلين العملية بعد انتقالها من كينج

بعد تسلميها أبحاثها الأخيرة بخصوص تركيب الحمض النووي لكلية كينج، انتقلت فرانكلين لمهام تانية. من سنة 1953 لسنة 1958 اشتغلت فرانكلين في معمل علم البلورات في كلية بيركبيك في لندن، وهناك كملت أبحاثها على الـDNA والفحم.

في 16 إبريل سنة 1958 توفت فرانكلين نتيجة لإصابتها بمرض سرطان المبيض – ويُعتقد إن طبيعة عملها وتعرضها المستمر للأشعة السينية لعب الدور في إصابتها بالسرطان- وهي لسة في عمر 38 سنة.

اعرف أكتر| 9 معلومات لازم كل ست تعرفهم عن الأورام الليفية


المصادر:  theguardian  books.google  dnaftb  bbc  britannica  scientificamerica  scientificamerican  jax

الوسوم

تعليق واحد

  1. مثير للاهتمام شكرا ♥️
    عند دراستي لمادة الأحياء الجزيئية ذُكر في المنهج اسما العالمان واتسون وكريك كمكتشفين للشكل الحلزوني. ولكن دكتورة المادة ذكرت باختصار العالمة روزاليند وتعرضها للتمييز والسرقة. سعدت جدا بقراءة التفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق