نوّرها

العجز المُكتسب: سعد زغلول قالها كلمة “مفيش فايدة”!

كتبت: مها طــه

في فترة من فترات طفولتي، كنت متعودة دايمًا على سماع صوت جارتنا دي وهي بتعيط وتصرخ، وجوزها عمال يضرب فيها من غير رحمة. تغضب عند أهلها يومين وترجع تاني، ويادوب أسبوع وترجع ريما لعادتها القديمة، ونرجع تاني نسمع صوت الضرب والإهانات. وبعد سنين طويلة نقلنا فيها من البيت ورجعنا تاني، نلاقي الوضع مستمر على ما هو عليه من ساعتها لمدة 18 سنة! معقول للدرجة دي مفيش فايدة؟!

صورة: SheKnows

ما باليد حيلة ولو في مش هنعملها

العجز شعور من أصعب ما يمكن على الإنسان. إنك تبقى مش قادر على فعل شئ معين مع إنه مهم ومؤثر في حياتك عشان في عقبة كبيرة في طريقك بتمنعك. وكلنا في فترة ما من حياتنا بنمر بمشاعر العجز دي ولو مرة واحدة على الأقل، لكننا بنحاول نتجاوزها على قد ما نقدر، وطول ما إنت بتحاول تبقى لسه ما وصلتش للعجز المتعلم/ المكتسب.

العجز المكتسب بيختلف عن مشاعر العجز الطبيعية، في إنه بيخليك تواجه أحداث تحس إنها أكبر منك لدرجة إنك مش هتقدر تتحكم فيها ولا تقاومها، وبالتالي بتستسلم وتقبل بمصيرك زي ما هو، وتقول يلا أهي عيشة والسلام، وللأسف ده سلوك منتشر حوالينا بشدة.

العجز المكتسب سلوك تم اكتشافه في الحيوانات اللي لما بتواجه خطر معين ويتكرر كذا مرة من غير ما يعرف يهرب منه أو يواجهه، بيلجأ الحيوان في النهاية للاستسلام وبتتوقف عنده كل المحفزات اللي تخليه يواجه، وبالتالي يبدأ يتصرف وكأنه عاجز تمامًا عن تغيير الوضع اللي هو فيه، وحتى لو تم تقديم مساعدة له هيفضل متمسك بالعجز المكتسب ويمنع نفسه من الاستجابة للمساعدة حتى.

صورة: Brisbane Wellbeing Psychologist

اكتشف اتنين من علماء النفس وهما “مارتن سليجمان” و”ستيفن ماير” العجز المكتسب بالصدفة. جابوا مجموعتين من الكلاب وحطوهم في قفصين أرضيتهم بتوصل صدمات كهربية للكلاب في أوقات مختلفة. الفرق الوحيد بين القفصين إن الأول كان فيه زرار ممكن يدوس عليه الكلب فيقدر يوقف الصدمة الكهربية، والتاني برضه فيه زرار لكن مالوش علاقة بتشغيل أو إيقاف الصدمة.

خد بالك هنا إن الكلاب كانتا متعلمة مسبقًا إنهم لو داسوا على الزرار الصدمة الكهربية هتقف، وبالتالي لما اتعملت التجربة اتخلقوا مجموعتين واحدة فيهم عادية قادرة تواجه والتانية عاجزة عن المواجهة ومش قادرين يوقفوا الصدمة الكهربية. بعد التجربة دي نقلوا الكلاب في قفصين مختلفين، كل قفص متقسم لجزئين، جزء فيه الأرض بتوصل صدمات كهربية والجزء التاني مفيهوش كهرباء.

المرة دي كانت التجربة مختلفة لأن قبل ما الصدمة تبدأ بعشر ثواني في لمبة حمراء بتنور كنوع من التحذير وبالتالي يقدر الكلب ينط من المنطقة المتكهربة للمنطقة التانية الآمنة. نتايج التجربة كانت مدهشة لأن الكلاب اللي اتعودت تدوس الزرار فتفصل الكهرباء في التجرب الأولى كانوا بينطوا أول ما بيشوفوا النور الأحمر، وبالتالي يتفادوا الكهرباء. أما المجموعة التانية كانوا كل ما يشوفوا النور الأحمر، ينبطحوا على الأرض وتصدر عنهم أصوات تنم عن شعورهم بالألم من الصدمة الكهربية لحد ما تيجي وتخلص.

في التجربة دي كانت الكلاب قادرة إنها تتفادى الصدمة الكهربية، لكنها فضلت الاستسلام وما حاولوش حتى وكأنهم اتعودوا إن الكهرباء لا مفر منها. الغرابة في رصد نتايج التجربة دي ماوقفتش عند كده، لأ ده الكلاب اللي استسلمت بدأت كمان يفقدوا شهيتهم للأكل، وظهرت عليهم أعراض شبيهة جدًا بأعراض الاكتئاب.

اعرف أكتر| ما بين المرض النفسي والعقلي والعصبي

العجز المكتسب في البشر

علماء النفس قالوا إنه على الرغم من إن التجارب تمت على الحيوانات لكن السلوك نفسه يمكن تطبيقه وبشدة على البشر. ولو بس دققت شوية في اللي حواليك وفي نفسك ممكن تلاقي كتير من الأمثال الشعبية والمواقف اللي بتجسد الحالة دي، وهتلاقي كتير من الأشخاص حواليك فقدوا الأمل في كل شئ، وبدأوا ياخدوا السلوك ده أسلوب حياة.

مثلًا: الست اللي جوزها بيضربها أو بيهينها طول الوقت، لما تغضب وتلاقي أهلها مش بيقفوا جنبها ولا بينصفوها، بعد فترة هتبدأ تتنازل أكتر وتتقبل الضرب والإهانة، وكمان هتوجد له مبررات كمان. ولو جه يوم والحال اتعدل وحد حاول يقف جنبها، هتلاقيها هي أول شخص شايف إنه مفيش فايدة وإنها كدة كدة عاجزة، وأهو يومين وعايشينهم و”كل” الناس كده.

العجز المكتسب زي ما وضح في تجربة الكلاب مرتبط بعدد من الاضطرابات النفسية المختلفة، وممكن ينتج عنه الإصابة بالإكتئاب واضطرابات القلق والرهاب (الفوبيا) والشعور بالخجل من النفس والوحدة، فتلاقي شخص بيتكسف شوية أو بيحس إنه مش عارف يسيطر على المواقف الاجتماعية المختلفة ويتعامل معاها، وبالتالي يستسلم وينعزل ويبطل يقابل ناس خالص عشان يتجنب المواقف المحرجة دي.

اعرف أكتر| أغرب أنواع الفوبيا

تراكم الخبرات السلبية

العجز المكتسب بيتم اكتسابه عن طريق تراكم الخبرات السلبية تجاه شئ معين. لذلك ممكن تبدأ من مرحلة مبكرة جدًا من الحياه وتحديدًا في الطفولة لأن الأطفال في الأغلب ما بيقدروش يعبروا عن مشاعرهم الحقيقية تجاه الأشياء خصوصًا لو بينشئوا في بيئة منضبطة بزيادة لا تسمح ليهم بالتعبير عن المشاعر بشكل واضح.

وكنتيجة لعجز التعبير بتبدأ الخبرات السيئة والسلبية في التراكم، خصوصًا لو التجارب دي مرتبطة بفشل من نوع ما زي الفشل الدراسي، ومع تكرار الأمر بيبدأ الطفل يكتسب سلوك العجز ده ويحس إنه كده كده مفيش فايدة، مهما ذاكر مش هيجيب درجة كويسة، مهما اتمرن مش هيطلع بطل الجمهورية، وهكذا.

العجز المكتسب في الأغلب بيكمل مع الأطفال لحد مرحلة البلوغ وممكن يستمر بعدها كمان. من أشهر أعراضه اللي بتظهر على الأطفال:

صورة: NumberWorks’nWords
  • قلة الثقة في النفس
  • السلبية
  • ضعف الدوافع
  • الاستسلام
  • الإحباط
  • المماطلة
  • عدم طلب المساعدة
  • عدم بذل الجهد

المقلق في إصابة طفل بالعجز المكتسب إنه ممكن يؤثر عليه زي الكبير، ويصيب الطفل بالاكتئاب أو اضطرابات القلق بشكل عام، وده بيخلي اكتشاف إصابته أصعب وقدرته على التعبير عن اللي بيحس بيه أقل. وفي الأغلب الآباء والأمهات مش هيفهموا السبب وراء التغيرات اللي بيمر بيها طفلهم، ومش هييجي في دماغهم إن ابنهم أو بنتهم ممكن يكونوا مصابين بالاكتئاب.

العجز المكتسب حالة نفسية بتاخد وقتها عشان تظهر وبالتالي محتاجة وقت عشان تقل ويمكن تختفي، اللجوء للطبيب النفسي في الحالات دي يعتبر ضرورة، وسواء كنت بتعاني إنت أو حد تعرفه من أي عرض من الأعراض اللي قولناها بننصحك تتوجه لطبيب/ أخصائي نفسي عشان يساعدك في تبديد الأفكار السلبية ومحاولة التفكير بعقلانية وواقعية أكبر وبدون تشاؤم وأحكام مسبقة بالفشل. كل التمنيات بالصحة والسلامة الجسدية والنفسية.

اعرف أكتر| سيبني أتشاءم يا أخي، فربما لست بخير!


المصادر:  positivepsychologyprogram  psychologycompass  developgoodhabits

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق