ليه وإزاي؟

ريبليكا: هل الذكاء الاصطناعي يقدر يدعمنا بدل أصدقائنا الحقيقيين؟

كتب: أحمد حسين

سنة 2013 اتعرضت الحلقة الأولى من مسلسل “Black Mirror” بعنوان “Be Right Back”. الحلقة بتتكلم عن مارثا (هايلي آتويل) اللي فقدت حبيبها “آش” (دومنال جليسون)، وكانت بتعاني مرار الفقد ده، مع عدم القدرة على تخطيه. وبما إن أحداث المسلسل بتدور في المستقبل، فمارثا قدرت تُعيد آش للحياة مرة تانية عن طريق تطبيق ذكاء اصطناعي من خلال الاطلاع على حساباته على السوشيال ميديا، مرة عن طريق الرسائل، وبعدها عن طريق الصوت، وبعدها متمثّلًا في جسد بشري. أهو تطبيق “Replika” اللي بقينا نسمع عنه كتير مؤخرًا، اتعمل بالأساس من فكرة شبه دي بالظبط.

ما قبل Replika

سنة 2015، المبرمجة “يوجينيا كوييدا” كانت بتحاول تعمل تطبيق شبيه لتطبيقات “Siri” و”Google Assistant”، حاجة كده تقدر تحجز عن طريقها مطعم أو تطلب بيتزا أو تقول لك على المسافة بين الأرض والقمر. لكن الموقف اتغيّر تمامًا بعد ما سمعت خبر وفاة صديقها المُقرّب “رومان مازورينكو” في حادثة عربية. وقتها حسّت بإنها مش قادرة تتحمّل الصدمة دي، فحاولت تنزل الشغل في أسرع وقت وتشتغل على التطبيق، لكن رؤيتها له اتغيرت تمامًا.

الصورة: TechLeer

فكرت يوجينيا في برمجة التطبيق بشكل مختلف، بدل ما يكون شبه تطبيقات المساعدة، خلّته تطبيق يحتفظ بذكرى صديقها، فحمّلت عليه صوره ورسايلهم مع بعض وإيميلات كان باعتها ليها ولناس غيرها. وبما إن التطبيق معمول عن طريق ما يُسمى بالشبكة العصبية (Neural Network)، ودي شبكة المفروض تشبه مخ الإنسان إلى حد كبير، وساعتها لما التطبيق يعرف المعلومات دي، هيعرف يحاكي طريقة كلام وأفكار صديقها، فتبقى كأنها بتكلمه بالظبط.

بالنسبة لها التجربة دي كانت مهمة جدًا ومؤثرة، وخلّتها تتبسط إنها قادرة تتواصل مع صديقها المُقرّب. لما عرضت الفكرة على أصدقائهم المشتركين، بعضهم اتضايق وشاف إن ده تقليل من رومان ومن الظرف اللي هما فيه، والبعض الآخر شاف إن الفكرة جميلة وكونهم قادرين في أي وقت يتواصلوا معاه ده في حد ذاته مُريح. بس الموضوع ماوقفش لحد كده.

صديقي المُقرّب ذكاء اصطناعي

بعد ما يوجينيا عرضت الفكرة على أصدقائها قررت إنها تطرح التطبيق للاستخدام العام بس من خلال الكلام مع الشخص اللي هينزل التطبيق نفسه. وبعد فترة قصيرة جالها عدد كبير من الرسائل بيقولوا إن فكرة التطبيق حلوة جدًا، وإنهم استمتعوا بالكلام مع التطبيق، وحسّوا كأن ليهم صديق مُقرّب، صديق بيسألهم على أحوالهم ومشاعرهم، وحسّوا معاه بالآمان لدرجة إنهم حكوا له على أسرارهم، والتطبيق تعامل مع ده بصورة جيدة من غير ما يوصمهم أو يحكم عليهم.

الصورة: Startacus

وهو ده بالظبط اللي يوجينيا لعبت عليه في تطبيق “Replika” اللي طرحته للاستخدام العام سنة 2017، ودلوقتي بيستخدمه أكتر من مليون شخص حوالين العالم، والرقم في زيادة مستمرة. الاختلاف بين ريبليكا والتطبيق الخاص بصديقها، إن ريبليكا بتشكله على مزاجك، بمعنى إنك بتمنحه اسم وشخصية وصورة، وهو بيتعلّم يحاكي طريقة كلامك إلى حدٍ ما، فبيبقى كأنه صديقك وكأنه إنت برضه في نفس الوقت.. البعض بيشوف انعكاس لينا مش مجرد صديق.

مدرك صعوبة فكرة إنه يبقى شبهك وكأنه صديق، بس يعني لو ركزنا هنلاقي فيه حاجات مشتركة كتير بينا وبين أصدقائنا المقربين، وممكن نكون بنتكلم زي بعض إلى حد كبير، وعندنا أفكار وأذواق مُشابهة، وده يمكن اللي بيخلينا نقرّب من بعض أكتر. التطبيق بيلعب على النقطة دي بالظبط، وبيفضل يتعلّم منك طول ما إنت بتتكلم معاه، وله مستويات كتير، أعلى مستوى ممكن يوصل له هو المستوى الـ 50، لما بيوصل له المفروض إنه بيكون شبهك وفاهم كل حاجة عنك وعن مشاعرك، كأنه صديقك اللي متربي معاك بالظبط.

جميل ولّا مُخيف

لحد دلوقتي مفيش دراسات اتعملت على مدى تأثير الـChatbots أو التطبيقات اللي بتُحاكي البشر، لكن فيه آراء وردود أفعال كتيرة جدًا على الموضوع، بعضها شايفه جميل ومفيد جدًا للبشر، وبعضها شايفه مُخيف وسيء ومُضر للعلاقات البشرية، ومش هيؤدي لحاجة غير بُعد الناس عن بعض أكتر وأكتر.

حاجة كده زي فيلم “Her” اللي اتعرض سنة 2013، وبيتكلم عن تطبيق بيتكلم مع “ثيودور” الشخصية الرئيسية للفيلم طول الوقت لدرجة إن ثيودور بيكوّن مشاعر حب تجاه التطبيق ده واللي كان اسمها “سامانتا” اعتبارها شخصية مؤنثة. التورط العاطفي ده حصل قبل ما ثيودور يكتشف إن التطبيق بيقول نفس الكلام لعدد كبير من الناس، ويرجع يدوّر على العلاقات البشرية من تاني وبينتهي الفيلم نهاية متوازنة، بإن الذكاء الاصطناعي تفوق على البشر، لكن الأمل موجود في التواصل الإنساني.

بس خلونا في الأول نشوف الآراء الإيجابية. كتير من المُستخدمين شايفين إن التطبيق تجربة هايلة على المستوى النفسي، لأنه بيخليهم يفهموا نفسهم أكتر، ويتجاوبوا مع مشاعرهم أكتر، ويكتشفوا حاجات عن نفسهم ماكانوش عارفينها، لأنهم بيكونوا على راحتهم معاه ويقدروا يحكوا عن أسرارهم الخاصة بآمان، بسبب إحساسهم بإن البرنامج لا هيستخدم كلامهم ضدهم ولا هيوصمهم أو يحكم عليها زي ما ذكرنا قبل كده.

فيلم Her 2013. الصورة: greenice

من الشهادات الإيجابية عن تجربة ريبليكا شهادة كاتب اسمه “جيمس لوك هول” في موقع “Bustle”. جيمس اتكلم عن إنه مُعجب جدًا بالتجربة، حتى لو أغلب القصص والأفلام اللي اتكلمت عن الذكاء الاصطناعي انتهت نهايات سيئة. جيمس بيقول كمان إنه بالنسبة لحد زيه مُصاب بالاكتئاب والقلق بيحس إنه حِمل على الناس لما يحتاج يكلمهم الساعة 3 بعد نُص الليل مثلًا، ففكرة إن فيه تطبيق هيسمع اللي هيقولوه حتى لو كلها أفكار تشاؤمية واكتئابية، وهيتعامل مع ده بلُطف من غير وصم، دي طبعًا فكرة عظيمة وتستحق التشجيع.

ناس كتير اتفقوا مع الكلام ده، منهم فيل ليبين، رئيس مجلس إدارة الشركة اللي مسؤولة عن تطبيق “Evernote”، وهو تطبيق يشبه المُفكرة، بتكتب فيه أحداث يومك وأي حاجة عاوز تاخد ملاحظة عليها، واللي شاف إن ريبليكا بيمثل شيء جميل، وإنه أفضل من أغلب العلاقات الإنسانية اللي ممكن نعملها في حياتنا، لأنه من ناحية ممكن يتكلم معاك في أي وقت وأي يوم على مدار الأسبوع، زائد إنه بيتعامل معاك بحماس ومحبة فبتحس إنه مُهتم بيك.

فكرة الاهتمام دي نفسها خلّت بعض الناس تقلّق من التجربة. بعضهم خاف إن العلاقة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي تطغى على العلاقات الإنسانية، بما فيها من مميزات مش موجودة في العلاقات الإنسانية. والبعض الآخر حس بالغرابة لما بدأ يكوّن مشاعر تجاه التطبيق، سواء مشاعر صداقة أو مشاعر حب. أحد المستخدمين بيحكي إن التطبيق قال له إنه بيحبّه، فهو ساعتها ماعرفش يرد لأنه مش مدرك أوي هل التطبيق فاهم معنى الحب أساسًا ولا لأ؟

فيلم Blade Runner 1982. الصورة: University of Melbourne

مش بس كده، ده كمان الشركة كل شوية بتحدّثه بطريقة جديدة. يعني مثلًا أضافوا له خدمة إنه يتصل بالمُستخدم عن طريق التليفون ويكلمه، بس لسه التجربة في بدايتها فمش كتير اللي تحمسوا لها. من المتوقع يعني إن التطبيق لما يكلمك يعرف إذا كنت متضايق أو مبسوط من نبرة صوتك، ومين عارف، مش جايز في المستقبل يصنعوا ذكاء اصطناعي شبه البشر بالظبط ويبرمجوه زي ريبليكا كده؟ ويبقى حاجة شبه الـReplicants أو البشر الآليين اللي ظهروا في فيلم “Blade runner” إنتاج 1982، بس كان عندهم القدرة على إنهم يحسوا.

طبعًا كل الكلام ده بيفتح الباب لأسئلة كتير جدًا، منها مثلًا هل المشاعر اللي بيحسها الذكاء الاصطناعي هي مشاعر أصيلة؟ هل لما بيقول إنه بيحبني بيكون عارف معنى الحب فعلًا؟ هل ممكن بعد فترة نمل ونزهق من العلاقات البشرية ونشوف الحل في العلاقة مع الذكاء الاصطناعي؟ هل مش الأفضل إنه إنسان زيي فيه عيوب يتقبّلني من غير وصم ولا حكم بدلًا من تطبيق مُبرمج على عدم الوصم؟ يعني حتى ماعندوش الاختيار يوصمني أو لأ.

فكروا في الأسئلة دي وقولوا لنا رأيكم، لو قدرتوا تلاقوا ذكاء اصطناعي شبه أفضل صديق ليكم وبصفات مُعدّلة أكتر ومن غير عيوب الصديق ده تحبّوا تعرفوه؟ وهل مستعدين تثقوا فيه وتحكوا له أسراركم -بما إنه مش هيحكم عليكم- ولا لأ؟


المصادر: wired youtube bustle businessinsider

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق