.
هيدروجينا

أفيال السيرك وأديسون: صراع بدأ بقتل حيوان، وانتهي بإعدام إنسان!

كتبت: آية أشرف المرسي

تخيلته مريض هزيل صامت وحزين، بينغزه الحارس بعصا حديدية مدبدبة في جنبه عشان يتحرك ويقف في الصف ضمن زمايله في المزاد، بيتم بيعه بسعر بخس لمكان أفقر وأظلم _من الظلم والظلام مش فارقة كتير_ . مصير بائس لكائن من أكثر الكائنات حساسية وذكاء.. الفيل.

البدايات بتعود للقرن الـ19، تحديدا في تمانينات القرن 1880، مدرب حيوانات وتاجر ألماني اسمه “كارل هاجينبك” بيؤسس شركة لتوزيع وبيع مجموعات من الأفيال وغيرها من الحيوانات في سوق عطشان وواسع في الولايات المتحدة الأمريكية، لتصبح شركة الرجل الألماني الشركة الأكثر ذيعا وانتشارا في العالم. النظام بيمشي كالتالي؛ حيوانات مختلفة من أفيال وضباع ونمور وأحصنة بيتم اصطيادها وبيعها في السوق، وتكلفة كل نوع منهم بتختلف على حسب الحالة وتم اصطياده فين وهيتباع لمين. الأفيال كانت الأرخص! لو افترضنا إن تكلفة شراء الواحد منهم من الصيادين في آسيا أو أفريقيا كانت بتتكلف حوالي 700 دولار، فتكلفة البيع في ولاية نيويورك على سبيل المثال كانت ممكن توصل لـ 5000 دولار. ولما أصحاب سيرك معين يعلنوا إفلاسهم وتتطرح حيوانات السيرك في المزاد بتكون فرصة لشرائها بأسعار أقل كمان.

أم وأولادها على ظهر فيل السيرك “جامبو” بصحبة مدربه، 1880/ تصوير: دانيال هاجرمان -fineartamerica

تاريخ إساءة معاملة الحيوانات في الأنشطة الترفيهية كالسيرك وغيره تاريخ قاسي وقديم. أكل قليل، وتغذية سيئة، وعنف غير مبرر، وإهمال طبي، وممارسات غير رحيمة لتطويع الحيوان ضد فطرته عشان يطلع يؤدي فقرة تسلية لجمهور بيدفع فلوس في تذاكر لحضور العرض، وهو وحظه بقى. فالأمر وقتها ولحد دلوقتي كان مبني على الدعاية والإعلانات اللي بتتوزع في الساحات لليلة عرض خطيرة مبهرة في السيرك الفلاني، وبعد ما الناس تقعد وارد جدا تلاقي قدمها حيوان بائس هزيل؛ فيل لكن في حجم حصان كبير شوية.

اعرف أكتر| قط الزناد والفيل.. مصانع أغلى قهوة في العالم!

الحيوانات اللي كانت بتقابل سوء المعاملة بالتمرد والعنف، كان مصيرها القتل أو الإعدام. و زي النهاردة، كانت أشهر حادثة إعدام من النوع ده لواحدة من أفيال السيرك اللي تم إعدامها بالكهرباء يوم 4 يناير، 1903. كيفية قتل الفيلة “توبسي” وقتها بالكهرباء وتصوير الحادثة في حضور 1500 متفرج من الجمهور أكسبها شهرة، وأثار بسببها جدال عظيم لحد دلوقتي، والبطل فيه كان توماس إديسون.. أيوه إديسون مخترع المصباح الكهربائي أول مخترع عرفناه وإحنا أطفال تقريبا.

الفيلة “توبسي” وسط الجمهور وعدسات المصورين لحظات قبل إعدامها

“توبسي” فيلة سيرك آسيوية المنشأ، زيها زي الحيوانات والأفيال اللي اتكلمنا عنهم فوق تم اصطيادها ثم شحنها لأمريكا في حوالي سنة 1875. “توبسي” انتقلت ما بين كذا سيرك وكذا مدرب، كتير منهم كان بيسيء معاملتها حتى إن ديلها كان معوج نتيجة تعرضها للضرب واتشهرت بالوصف ده “Topy: a crooked-tail elephant”.

ومع تراكم المعاملة العنيفة، ولحظها السيء “توبسي” بتقع في إيد مدرب جديد سادي، كان على سبيل المثال بيحرقها بالسجاير، وفي مرة ثارت الفيلة عليه وضربته، فمات حوالي سنة 1902. بس مش دي الحادثة اللي بسببها تم إعدام “توبسي”.

“توبسي” بعدها انتقلت لـ”كوني آيلاند”، منتزه ترفيهي في نيويورك. وفيه تعرضت لنفس المعاملة غير الرحيمة من الحراس واختلفت الروايات حول طرق المعاملة لكنها أجمعت على إن الفيلة في الوقت ده اكتسبت سمعة بتزداد سوءا يوم بعد يوم بإنها حيوان عنيف وسلوكه غير منضبط وبيمثل خطر على الناس، وعندها مالكيها قرروا التخلص منها. يقال إن تم التفاوض مع جمعية الرفق بالحيوان وقتها واختاروا الإعدام بالكهرباء بدلا عن الشنق لكونه أسرع وأرحم. ولإن إعدام فيل بالكهرباء كانت سابقة من نوعها فعشان يضمنوا إتمام العملية، ما اكتفوش بالكهربا لكن مدوا الفيلة بجرعات سامة وأحكموا وثاق زي حبل حوالين رقبتها، ومع الضغط على زر التشغيل مشي أكتر من 6 ألاف فولت كهربا في جسم المسكينة اللي ماتت بعدها بعشر دقايق.

 فين أديسون بقى في الموضوع؟

تم إعدام “توبسي” بالتيار الكهربائي المتردد، وقتها ولحد سنين قريبة الرواية كانت بتقول إن إديسون كان حاضر عملية الإعدام وهو اللي استخدم التيار المتردد لإثبات خطورته واحتماليات تسببه في قتل كائن حي ف حجم فيل فما بالكم بإنسان. ووقتها كان بيتم الترويج للحادثة دي في إطار ما يعرف بـ”حرب التيار” _نسبة للتيار الكهربائي_ ما بين أديسون اللي كان بيدعم التيار المباشر ونيكولا تسلا اللي كان بيدعم التيار المتردد.

اختلفت الروايات الحديثة، منها اللي بتنفي بشكل مطلق حضور أديسون أو تورطه بشكل مباشر في عملية الإعدام، وبعضها بتقول لأ هو ماحضرش لكن فنيين تابعين لشركته هم اللي تولوا العملية واللي قاموا بتصويرها، وفي الوقت ده كانت كل الأفلام الصادرة واللي بتسجلها شركة أديسون بيتكتب عليها في الأخر اسمه ولكن ده مش معناه إنه أعدم الفيلة كهربائيا.

لكن على الجانب الآخر كل ده مايقدرش ينفي إن أديسون، وفي سبيل إثبات وجهة نظره في معركته ضد تسلا وشريكه في الوقت ده جورج وستنجهاوس، أجرى عمليات إعدام بالكهرباء على عدة حيوانات من حيوانات الشارع سواء قطط أو كلاب وصولا لعجول وأحصنة، وواحدة منهم أجراها أمام لجنة تابعة لولاية نيويورك واللي تم إخطارها بعمليات الإعدام دي للتحقيق فيها.

توماس أديسون في معمله/ صورة: إنترنت

وقتها إديسون كان فاكر إن التجربة دي هتكون الشوكة في ضهر التيار المتردد بتاع تسلا ووستنجهاوس. لكن على عكس توقعه وتوقعاتنا، اللجنة أعجبت بالتجربة، ومن هنا انطلقت الفكرة وتطورت وأصبحت حقيقة بتصميم كرسي الإعدام بالكهرباء لكن مش للحيوانات، للبني آدمين! الفكرة لاقت تأييد من أديسون وترويج ليها، ويقال إنه اقترح إن يتم اختراع كلمة جديدة بمعنى إعدام المجرمين بكهرباء التيار المتردد وهي “Westinghoused” في إشارة لخصمه جورج وستنجهاوس قال يعني لخلق ربط سلبي بين وستنجهاوس وبين عمليات الإعدام.

اعرف أكتر| جلسات العلاج الكهربائي: كهربا لأ .. كهربا لااااااااااااااأ!

وبالفعل تم تنفيذ الحكم، وكان “ويليام كيملر” أول رجل يتم إعدامه على الكرسي الكهربائي في سنة 1890. من وقتها، انتشر الإعدام بالكهرباء في الولايات المختلفة. حاليًا، أصبح الإعدام بالحقن المميت (lethal injection) هو الخيار الأول، ويأتي الإعدام على الكرسي الكهربائي كخيار ثاني مسموح اللجوء له في 9 ولايات أمريكية، في حين حظرته المحكمة العليا في ولايتي جورجيا (2001) ونبراسكا (2008).

لم يثبت أن الإعدام بالكهرباء قتلا رحيما بأي شكل. بعض حالات الإعدام بالكهرباء فشلت لخطأ بشري. أشهر الحالات دي وأولها لـ”ويلي فرانسيس”، واللي تم إعدامه على الكرسي الكهربائي مرتين مختلفتين. المرة الأولى في مايو 1946، وبسبب حارس السجن المخمور ماتمش إعداد الكرسي بشكل صحيح، فالصدمة الكهربائية ماقتلتوش، وتم تطبيق الحكم بنفس الكيفية عليه، في سن 18 سنة، للمرة التانية في 1947، بعد رفض  طعن محامي ويلي ومطالبته بأن يتم إعدامه بطريقة مختلفة.

صورة لويلي فرانسيس وعلى اليسار غلاف لكتاب بيوثق واقعة إعدامه مرتين صعقا بالكهرباء

عقوبة الإعدام أيا كانت طريقتها أصبح عليها خلاف كبير ممتد وما انتهاش. ناس كتير أصبحت ضدها وبتطالب بمنعها خصوصا بعد ثبوت براءة البعض بعد تنفيذ العقوبة فيهم، ولأن منهم اللي بيشوف إن مافيش ما يستحق زهق روح أي كائن، فما بالكم بإنسان. وبخصوص إساءة معاملة الحيوانات، فأصبح ليها تشريعات بتحاول تصلح الوضع قدر الطاقة.

أما على الجانب الآخر، لازم نقول إن العلماء مش ملايكة ولا قديسين، هم بشر لهم نزعاتهم وشهواتهم، واللي مهما بلغوا من العظمة أحيانا بتسيطر عليهم النزعات دي في ظل إثبات إنهم صح. يمكن حاليا أصبح فيه مراقبة ومعايير أخلاقية حاكمة بتحكم الوضع أكتر من الأول لكن ده لا يعني بنسبة 100 %.. ولو إنتهت حرب التيار من أكتر من قرن.. فالحرب لضمان نزاهة العلم لخدمة الإنسانية هتفضل مستمرة.


المصادر: books.google smithsonianmag howstuffworks deathpenaltyinfo deathpenaltyinfo2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى