.
هيدروجينا

“كوبو” والذكريات حيث أقوى أنواع السحر

كتبت: آية أشرف المرسي

-لقد سحبت هذه من رأسها، لم أكن أقصد ذلك.
-هذا السوار شعرها، إنه ذكري. الذكريات أشياء قوية، كوبو.

untitled

لأن أفلام الكارتون أجمل وأفضل كثيرًا، تظل احتمالية أن تصادفك جملة حوارية كهذه تحمل حكمة عظيمة في منتهى البساطة والبلاغة احتمالية كبيرة. أن نملك شجاعة مواجهة مصائرنا والتغلب على آلام الماضي وما مؤكد أننا سنختبره في الحاضر من مصاعب من خلال قوة ذكرياتنا. هو ليس محض هراء بعض الجمل الرنانة التي يروج لها مدربو التنمية البشرية المزعومون، ربما لن تصدقوني ولكن ذاكرتك هي أنت… بدونها لن تكون حرفيًا!

فيلم ”Kubo and the two strings“، والذي قادتني الصدفة إلى مشاهدته، فيلم عظيم وملهم. بالطبع هنا ليس مجال مناقشته فنيًا ولا تحليل عناصره والتي تستحق الكثير من الثناء في الحقيقة، بدءًا من لحظة إدراك أن كل ما تشاهده على الشاشة معتمد على أسلوب تحريك الـstop-motion، إلى جانب قصة شيقة مثيرة للاهتمام مأخوذة عن التراث والأساطير اليابانية جديرة بأن تمضي وقتك من أجل أن تصل إلى نهايتها، وصولًا للتفاصيل من حيث رسم وبناء الشخصيات وملابسهم وعاداتهم إلى أخره.

مع ”كوبو“ وعلى مدار أحداث الفيلم ستروى لنا حكاية يقبع بين جنباتها سحر وخيال يُفرَد لهما المساحات. لكنني هنا تحديدًا أريد اقتناص تفصيلة بعينها غلفت كبطل مجهول حاضر بقوة في الخلفية كل ذلك، وهي قوة الذكرى والحكاية نفسها، تلك التفصيلة التي ذكرها النقاد ومن شاهدوا الفيلم على استحياء ضمن نقاط عديدة أخرى دون التركيز عليها، ولكن كيف ذاك؟ الفيلم يتحدث عن ”كوبو“ والخيطين (the two strings)  اللذين يمثلان ذكرياته عن أبوه وأمه وكل ما يملك في مواجهة الملك ”قمر“ الذي يريد أخذ عينيه.

الذاكرة هي هويتنا هي خلاصة رحلتنا منذ وجِدنا على هذه الأرض، هي كل ما تملك من مهارات وخبرات وتجارب ولغة ومشاعر وأشخاص وأماكن وأزمنة عشتها واختبرتها، الذاكرة هي أنت بكل نقاط ضعفك وقوتك. الذاكرة تجد طريقها في ترتيب كل ذلك بأولويات الحضور والغياب، تقسيم الهام والعادي والعابر واللاغنى عنه ولن تجده إلا وقت الحاجة إليه. طريقة أحيانًا قد تراها عشوائية أو غير مفهمومة ولكنها كذلك فقط بالنسبة إلينا.  فالعملية وراء إنشاء واسترداد ونسيان الذكريات لا تزال مُحيّرة وغير مفهومة بشكلٍ كامل لدى العلماء حتى الآن.

”-أعلم، لماذا تريد أخذ عيني، لأن بدونها لن أستطيع النظر بداخل عينيّ أحدهم لأرى روحه، لأرى الحب.
-كل من أحببته قد هلك، كل شئ عرفته قد سُلِبَ منك!
-لا، إنه في ذاكرتي، حيث أقوى أنواع السحر. إنها ذكريات أولئك الذين أحببناهم وفقدناهم، هي ما سيجعلنا أقوى مما يمكنك أنت أن تصبح عليه يومًا…“

untitled5

في مقال سابق لي عن الذاكرة بدأت بهذا الاقتباس المحبب لقلبي ”من يملك القدرة على التذكر، هو فقط من يستطيع الانتصار على ألم الذكرى“ للروائي طارق إمام. من يقرأ هذا الاقتباس للمرة الأولى، ربما سيصيبه الاندهاش مثلي عندما سمعته من صديقي في أول مرة، ولكن تلك هي الحقيقة قد تكون الذكرى ذاتها أليمة ولكنك سيمكنك الانتصار على ألمها فقط  إن ملكت القدرة على تذكرها والاحتفاظ بها كاملة بداخلك لتتخطي الجزء المؤلم منها وإن تعلق بفقد من تحب. الذاكرة تجد طريقها في ترتيب كل ذلك، الحدث والأثر وكل ما بتعلق بتفاصيل الأمر بأكمله.

”كوبو“ عند مواجهته الأخيرة التي لم يكن مفر منها بعدما فقد كل شئ ، حيث فقد أمه وفقد أبوه لحظة أن تعرف عليه، كنا نظن معه أن عليه إكمال رحلته ليحصل على القطعة الناقصة في البذلة السحرية الحصينة التي بها فقط سيستطيع مواجهة الملك ”قمر“، ولكن بعد أن يصبح في حوزته الثلاث القطع التي تتكون منها البذلة السحرية الحصينة؛ السيف غير القابل للكسر، ودرع الصدر المنيع، والخوذة المنيعة، نعلم أن القوة السحرية الحقيقة التي ستمكنه من خوض مواجهته الأخيرة هي قوة ذكرياته.

بالنسبة لي، جاء كوبو بمغامرته في توقيت حاسم حيث تطاردنا الأخبار العلمية التي ترصد محاولات عديدة للعلماء فيما يتعلق بمحو الذاكرة أو انتقاء ذكريات بعينها لمسحها أو تلك المحاولات قيد التجربة والتي كانت نتائجها مبشرة لزرع ذكريات زائفة غير حقيقية من الأساس. لكم أن تتخيلوا أن نقدر فيما بعد في المستقبل على كتابة تاريخ كامل لشيء لم يحدث في دماغ أي شخص. أمر مرعب وعواقبه خطيرة وإن بدا مثيرًا للبعض.

كنت أشعر بالاستغراب لإحساسي دائما بأنني تحت تهديد النسيان، فأحاول بذل كل جهد كي أحتفظ بذكريات لي بعينها تعني الكثير، مع خلفية شخصية عن مرض ألزهايمر تجعله وكأنه عدوًا على مستوى شخصي يتربص بي، في الوقت ذاته الذي أجد البعض على استعداد لأن يفرط في ذكرياته. أحيانًا أشعر أنه تطور منطقي للأحداث الجنونية التي أصابت العالم بساكنيه،  فما يجعل الآن عديد من الأمور الشريرة والصادمة والمستهجنة أمرًا طبيعيا، لن يجعل من مسح ذاكرتنا وزرع أخرى بديلة أمرًا غريبا.  ولكنني أخترت أن أحذو حذو ”كوبو“، فكما أخبرني صديقي إن كانت الذكرى أليمة، فالنسيان ألمه مضاعف، فهو يأخذ في الطريق معه الحلو والمر ولا يترك لنا سوى الفراغ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى