ليه وإزاي؟

هل التنمر سبب كافي للقيام بالانتحار؟

كتب: أحمد حسين

القصة باختصار مُخل، بنت اسمها إيمان بتدرس في معهد جمال عبد الناصر الفني الصحي بالإسكندرية، تنمر عدد من المشرفات والطالبات عليها، وقالوا إن شكلها وحش وشبه الولاد، والدتها كانت بتتعامل معاها بشكل سيء جدًا وبتضربها وبتهينها، فما كان منها إلا إنها نطت من البلكونة وأنهت حياتها بنفسها.

هل التنمر والانتحار لهم علاقة ببعض؟

القصة اللي حكيتها في البداية، تخلينا نربط بين التنمر والانتحار كسبب ومُسبب، ومنطقي نفكر كده. في مقال على موقع “The Conversation” بتحكي الأستاذ المساعد وعالمة النفس الإرشادي بجامعة بوسطن ميليسا هولت، عن تحليلها لحوالي 47 دراسة اتعملت في الولايات المتحدة والصين وأستراليا وفنلندا وغيرهم، علشان يجاوبوا على سؤال هل في علاقة مباشرة بين التنمر والانتحار ولا لأ؟

بشكل عام، الدراسات دي بتقول إن الشباب أو المراهقين بالأحرى، اللي بيتنمروا وبيتم التنمر بهم، أغلبهم ممكن يعاني من أفكار انتحارية على الأقل، يعني التنمر تحديدًا، خطورته في إنه بيطول الاتنين، المُتنمِّر اللي أصبح بيُقابل بهجوم شديد حاليًا، والمُتنمَّر عليه اللي ممكن يُصاب باضطرابات القلق والاكتئاب. ففي النهاية التنمر بيبقى أحد أسباب الانتحار.

الصورة: Flickr

التحليلات وجدت إن تأثير التنمر بيختلف من بلد لبلد، وبين البنات والأولاد، ومقياس التنمر إيه بيعتبر تنمر وإيه لأ. الرابط بين التنمر والانتحار كان بشكل أوضح وأكبر في الولايات المتحدة من غيرها. التنمر في بعض البلاد الأخرى بيقولوا عليه “معاكسة/ رخامة/ هزار تقيل”، ساعتها بيقل إحساسها على النفس أو التعامل معاه بيكون بشكل مختلف، وعشان كده ممكن الأمر مايوصلش للانتحار.

الدراسات كمان أثبتت إن في اعتبارات تانية بتدخل في الموضوع ولازم يتم الالتفات ليها عشان ماتكونش رؤيتنا للموضوع مختزلة. من العوامل دي:

  • الإصابة بالاكتئاب.
  • الإحساس بقلة الثقة بالنفس
  • أغلب المتأثّرين بالتنمر هما المختلفين عن الجماعة؛ سواء في اللون أو العِرق أو الدين أو الجنس أو الميول الجنسية

ده معناه إن التنمر لوحده مش سبب مباشر للانتحار، لكنه يعتبر أحد الأسباب اللي ممكن تؤدي للانتحار للمُتنمِّر أو المُتنمَّر عليه. بس في سؤال مهم جيه في دماغي وأنا بكتب، هو إيه أساسًا اللي ممكن يدفع إنسان لإنهاء حياته؟

لولا الخوف من أمر ما بعد الموت

في مقطع شهير من مسرحية هاملت لشيكسبير، بيقول: “وإلا فمن ذا الذي يقبل صاغرًا سياط الزمان ومهانته، وأن يرضخ لظلم المستبد، ويتحمل زراية المتغطرس وأوجاع الحب المستنكر، ومماطلة القضاء، وصلافة أولي المناصب. في حين أنه يملك القدرة على أن يحقق الراحة الأبدية بطعنةٍ من خنجرٍ مسلولٍ في يدِه، لولا الخوف من أمر ما بعد الموت”. وأمر ما بعد الموت ممكن تأوّله زي ما تحب، سواء الحساب أو العدم أو المجهول. في النهاية كلها حاجات تخوّف فعلًا.

وبدأت بالمقطع ده تحديدًا، علشان أقول حاجة يمكن تكون معروفة نسبيًا ويمكن لأ، وهي إن المُنتحر بالأساس مش عايز يموت.. هو مش عايز يعيش. الجملتين دول يبانوا شبه بعض شوية لكنهم مختلفين في حاجة من وجهة نظري، إن اللي مش عايز يعيش ده مابيشوفش أي قيمة في ذاته، ولو كان عرف يلاقي القيمة دي، كان من المحتمل جدًا يفكّر يكمل في الحياة. يعني الموت بالنسبة له مش الغاية، لكنه آخر حل علشان يقدر يخرج من الحياة غير المحتملة بالنسبة له.

الصورة: Pixabay

طيب إيه اللي ممكن يدفع شخص إنه ياخد الخطوة الصعبة جدًا دي؟ بحسب موقع “Psychology Today”، أول سبب بيدفع للانتحار هو الاكتئاب. هنا بتكلم عن الاكتئاب المرضي أو الاكتئاب السريري بأنواعه المختلفة اللي وصفوه على الموقع بإنه “ألم أو ثقل الوجود”. إحساس بصعوبة الحياة للدرجة اللي تخلي الوجود نفسه صعب جدًا، مما يدفعه لرؤية إن كل شيء هيبقى أفضل لو أصبح مش موجود.

الأفكار دي جزء من المرض زي بالظبط صعوبة التنفس بسبب أمراض الرئة، أو الإرهاق الشديد من طلوع السلم بسبب أمراض القلب. فماحدش يقدر يلوم أي حد فيهم على الأعراض الخاصة بالمرض، زي ما مش منطقي إننا نلوم المصاب بالاكتئاب على إنه شايف نفسه تقيل على نفسه وعلى الناس اللي حواليه، وإنهم هيكونوا أفضل من غيره. رغم كده بيكون الانتحار آخر حل مش أول حل خالص، فلو شاف -بشكلٍ ما- عكس رؤيته دي، هيقدر يدرك إن من حقه يعيش ويستمتع بحياته، زيّه زي غيره من البشر، علشان ده حقه فعلًا ماحدش بيمنّ عليه بيه.

الأسباب التانية بتتنوع بين الأمراض العقلية والنفسية الأخرى، والإدمان والظروف المعيشية الصعبة، والأمراض العصية على العلاج، وفقدان شخص عزيز أو المرور بتجربة صادمة (زي التنمر مثلًا)، وغيرهم وغيرهم من الأسباب الدافعة للانتحار. طيب إيه الحل في الموضوع ده؟ وهل الحل في إيدينا إحنا كأفراد ولا المفروض الموضوع يبقى له علاقة بالإعلام علشان الصورة توصل بشكل أوضح؟

خلونا نتكلم عن الفيل اللي في الغرفة

في عبارة إنجليزية جميلة، بتقول: “الفيل في الغرفة”. عبارة مجازية بتتكلم عن أي حقيقة واضحة بنحاول نداريها أو نتجاهلها أو ما نتكلمش عنها ولا نعالجها. وأنا من رأيي بصراحة، إن الكلام والتراكمات الخاصة بيه بتزوّد الوعي تجاه الشيء وإدراك وجوده على الأقل. الخطوة التانية بقى إننا نتكلم عنه صح، لأن أول ما شخص هيعبّر عن أفكاره الانتحارية، هيعمل صدمة في مجتمعه المغلق على نفسه، فهيحصل نقاش يمكن يكون فيه كلام كتير ومعلومات خاطئة. بس مع الوقت المعلومات دي ممكن تتصحح مع الوقت. فخلونا نتكلم عن الفيلم اللي في الغرفة ده على قد ما نقدر.

وعلشان نعرف إنه فيل فعلًا، خلونا نقول إن موقع منظمة الصحة العالمية (WHO) بتقول إن حوالي 800 ألف شخص بينتحروا سنويًا (دول اللي بيتسجلوا كمنتحرين فعلًا)، ده غير اللي بيحاولوا دون نجاح واللي أغلبهم بتتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة. ورغم كل ده، إحنا خايفين نتكلم، قال علشان الانتحار مُعدي وإحنا كده هنشجع اللي عنده أفكار انتحارية على تنفيذها، على أساس إن اللي وصل لنقطة الانتحار مستني تشجيع أساسًا!

الصورة: Flickr

طيب، الموضوع ده بينقسم لشقين؛ شق خاص بالأفراد، وآخر خاص بالإعلام. الأفراد عليهم إنهم يصححوا مفاهيم بعض ويحاولوا يقرأوا أكتر علشان يزودوا معرفتهم ويتعاملوا بشكل أفضل مع بعض، فما يضطروش يقفشوا على بعض ويقفوا على أرضية واحدة ينطلقوا منها، ويساعدوا بعض على قد ما يقدروا على تقدير نفسهم وتقدير قيمة حياتهم.

أما الشق الخاص بالإعلام، فأظن -على حسب علمي- له ميثاق شرف، بيتضمّن عدم وصم المنتحر بالجُرم، وعدم الوصف الدقيق لطريقة الانتحار، ومحاولة التركيز على حياة الشخص أكتر من موته، والكلام على الدوافع أهم من الكلام عن الحادث نفسه، وتقديم حلول زي زيارة الطبيب النفسي والحث عليها، وأيضًا تقديم أرقام لخطوط منع الانتحار، ومحاولة زيادة وعي أصحاب الأفكار الانتحارية بإن حياتهم مهمة وتشجيعهم كمان على الكلام والنقاش دون وصم أو إلصاق التهم بيهم.

في النهاية، ربنا يجعل جميع البشر بعيد عن كل الأفكار الانتحارية، ويشوفوا إن ليهم قيمة وأهمية في الحياة، لكل اللي حواليهم، سواء عملوا حاجة في الحياة أو ماعملوش، دخلوا في تجارب مختلفة أو مادخلوش، أو زي ما بيقول الأبنودي: “كل اللي عايشين من بشر من حقهم، يقفوا ويكملوا، يمشوا أو يتكعبلوا، ويتوهوا أو يوصلوا”، من غير ما نتنمّر ولا نصعّب العيشة على بعض يعني.


المصادر: elwatannews theconversation psychologytoday samaritans who psychologytoday

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق