.
نوّرها

الصبغة الزرقاء في مصر القديمة تُبهر أساتذة الطب الشرعي!

كتبت: مها طـه

قدماء المصريين ببساطة شديدة بالنسبة لنا هما الحضارة والتاريخ والتطور اللي بنتمحك فيه وفي حضارة الـ7000 سنة اللي إحنا رايحين جايين بنرددها ومانعرفش عنها كعامة الشعب حاجة ولا عن اللي كان قبلها بآلاف وآلاف السنين حاجة. عمومًا عشان مانطولش خلونا نبدأ في الموضوع على طول، ومن غير أي مقدمات.

بداية قصة الأطباء الشرعيين مع قدماء المصريين

مؤخرًا قام ”جريجوري سميث“، واللي بيشغل منصب كبير العلماء المسئولين عن الحفظ في متحف إنديانابوليس للفنون (IMA) بتوجيه الدعوة لبروفيسور ”سيمون لويس“، الكيميائي الشرعي والتحليلي واللي بالفعل قبلها وتوجه لمدينة إنيانابولس، بهدف دراسة الصبغة الزرقاء المضيئة اللي اكتشفها سميث في أثناء مسح التحف الفنية القديمة بالمتحف.

دعوة سميث كانت بالأساس بعد ما سمع عن أبحاث لويس في مجال المركبات المضيئة الممكن استخدامها في التعرف على بصمات الأصابع. من عادات سميث المُتّبعة استخدام الضوء الأبيض في مسح التحف الفنية القديمة، في محاولة منه للعثور على بقايا أو آثار صبغة قديمة، واللي هتظهر واضحة في الجزء الخاص بالأشعة تحت الحمراء في الأطياف.

الصبغة المصرية الزرقاء بقى بتُعتبر أول صبغة صناعية _مش مُستخرجة من مادة طبيعية_ معروفة في العالم، واللي بيرجع تاريخ استخدامها لحوالي سنة 3200 قبل الميلاد. القطع الأثرية اللي بيرجع تاريخها حتى لآلاف السنين مازالت الصبغة الزرقاء فيها بتُضئ بشكل لامع في الأشعة تحت الحمراء، وده اللي دفع سميث لإنه يقترح على لويس فكرة استخدامها في مجال أبحاث البصمات.

الصبغة الزرقاء والطب الشرعي

الصبغة الزرقاء المصرية مُرشحة بقوة إنها تكون المسحوق المُضئ الأفضل للاستخدام في مجال بصمات الأصابع. تحت الضوء العادي وبمجرد تقريب بصمات الأصابع من الأشعة تحت الحمراء والكشف عنها، على الأسطح غير المسامية أو المنقوشة زي علب المياه الغازية المعدنية، المسحوق ده بيتفوق تجاريًا على باقي المساحيق التانية المُستخدمة في نفس المجال.

النتايج دي مش بس بتخلق نوع جديد من المساحيق المُستخدمة في الطب الشرعي، لكنها كمان دليل على إن الماضي أحيانًا هو اللي ممكن يخدم الحاضر والمستقبل.

طبقًا لكلام الباحثين، فالصبغة الزرقاء المصرية دليل جديد على عبقرية القدماء المصريين في الكيمياء. فالصبغة دي بيتم تصنيعها من خليط من مادة محتوية على النحاس بالإضافة للرمل والقلويات القوية، الخليط ده بيتم تسخينه لدرجة حرارة 800 أو 900 درجة مئوية، في ظل ظروف من الرقابة المُشددة.

في مصر القديمة، كانت الصبغة الزرقاء دي مُفضلة للغاية، وبتُستخدم على نطاق واسع وفي اماكن كتير زي اللوحات والمقابر وأكفان المومياوات، حتى تقنية صناعة الخزف استخدمت نفس الصبغة في صُنع التمائم والتماثيل.

OLYMPUS DIGITAL CAMERAتمثال من الخزف المصري المصبوغ بالصبغة الزرقاء

بصمات الأصابع وأساسيات الطب الشرعي

الكشف عن بصمات الأصابع لا يزال جزء بالغ الاهمية من تحقيقات الطب الشرعي، وللكشف عنها بيتم استخدام مساحيق “powder” عشان تخلي السطح اللي بتُرفع من عليه البصمات أكثر تباينًا، أو بمعنى تاني تبقى باينة عليه البصمات بشكل أكبر، وبالتالي تفاصيلها تبقى أوضح.

بس للأسف في حالة الأسطح المُزخرفة للغاية أو المُظلمة أو العاكسة، فده ممكن يبقى مشكلة بالنسبة للمساحيق المُستخدمة حاليًا، وهنا تيجي ميزة الصبغة الزرقاء المصرية وهي إن لما بيتسلط عليها الضوء الأبيض، بتكون قادرة على امتصاصه، وبعدها ينبعث منها في جزء الأشعة تحت الحمراء من الطيف.

الباحثين في جامعة كورتين وعلماء المحافظة في متحف إنديانابوليس للفنون، قالوا إن الصبغة الزرقاء المصرية لو تم استخدامها كمسحوق للكشف عن البصمات هتتفوق على كل المساحيق الموجودة حاليًا، لأنها بتتوهج بألوان زاهية، وبتقدر تكشفها حتى على الأسطح الصعبة أو غير الملساء.

فكرة استخدام الضوء الأبيض للتعرُف على بصمات الأصابع تُعتبر طريقة آمنة وبسيطة وغير مُكلفة، حاليًا بيتم استخدام كاميرات ديجيتال مُعدلة بحيث إنها تسمح لمُستشعر الكاميرا بإنه يلقط الصور الموجودة في ضوء الأشعة تحت الحمراء.

لحُسن حظ فريق البحث بقيادة ”لويس“ فمازالت الصبغة دي بيتم تصنيعها، لكن طبعًا بهدف ترميم المعابد والحفاظ على الفن المنقوش على جدرانها وأعمدتها. العلماء في مجال الترميم بيحاولو يستخدموا الأصباغ التقليدية اللي كانت موجودة في الأماكن الأثرية نفسها.

الحصول على الصبغة نفسها أمر سهل نسبيًا لكن في الحقيقة الصعب هو الحصول عليها في صورة مسحوق، لإن جزيئات الصبغة المُصنعة في حالتها الأصلية بتكون كبيرة جدًا، وده اللي بيخليها غير صالحة لاستخدامها في مجال الكشف عن البصمات، وعليه كان لازم على فريق البحث إنهم يحاولوا يغيروا من حجم الجزيئات، بحيث إنها تكون صغيرة بما فيه الكفاية، عشان تُستخدم في المجال ده.

1-ancientegypt

العلماء استخدموا الأداة الأكثر شيوعًا في عمليات تحضير العينات الصخرية للتحليل الكيميائي، وهي الـ”ميكرونيزر“، واللي بتكون قادرة على على تكسير جزيئات الصبغة باستخدام قوة الطرد المركزي. لويس قال إن علماء الطب الشرعي ولسنين فاتت حاولوا يتوصلوا لمسحوق ينفع إنه يتشاف بالأشعة تحت الحمراء، ويتم بيه الكشف عن البصمات، لكنهم في النهاية توصلوا لما هو أجمل، توصلوا لنقطة التلاقي بين العلم والفن.

كمان ”لويس“ أضاف إن البحث ده مجرد نقطة إنطلاق لأبحاث تانية كتير أبعد من كده، لمعرفة ما إذا كانت الصبغة الزرقاء المصرية يُمكن استخدامها بأشكال تانية في الطب الشرعي، وقال إنهم مستمرين في البحث والتجريب على نطاق واسع من المواد والأسطح، في محاولة منهم للنظر لخواصها وفهمها ويمكن تعديلها كمان بشكل يسمح باستخدامها في الطلاءات، لأنها هتساعد في إنها تتماسك أفضل، وأخيرًا قال إن العمل نفسه في البحث ده مازال في بدايته، ولسه قدامهم شغل كتير.

المصادر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى