الملف

نظرية الكم 2: ما بعد البداية

كتب: أحمد حسين

في المقال السابق توقفنا عند نقطة انطلاق ماكس بلانك في شرح نظرية الكم التي تقول أن الطاقة تنتقل بكميات محددة لا يمكن تقسيمها تُعرف باسم ”الكمّات“.

لقراءة المقال السابق: نظرية الكم 1 – البداية وما بعدها

القانون الذي استخدمه/فرضه بلانك لتفسير ”نظرية الكم“ هو (E= hv) حيث أن (E) هي الطاقة و(v) هو التردد و(h) هو ثابت بلانك أو الرقم الذي افترضه بلانك لحل معضلة ”الكارثة فوق البنفسجية“.

هذا القانون لم يتم تداوله بين علماء الفيزياء الأخرين لأنهم وجدوه غريبًا، كان بالنسبة لهم فكرة أن الفيزياء تقول أن الضوء ينتقل عبر موجات وأن الالكترونات يمكنها التفاعل مع نفس الجسم (اللوح الزجاجي) بطريقتين مختلفين (بعضها يمر والبعض الأخر ينعكس)، بسبب فرضية تقول أن الطاقة تنتقل بكميات صغيرة تسمى ”الكمّات“، كل ذلك كان بالنسبة لبعضهم دربًا من الجنون فعلًا وشيء محير لأقصى درجة… حتى جاء اينشتاين وتغير الأمر مرة أخرى.

اينشتاين ونظرية الكم: الطريق إلى نوبل

عندما عجز العالم الألماني ”هينريش هيرتز“ عن تفسير فكرة تحرك الضوء على شكل موجات كلما تعرض لطاقة كبيرة، لم يكن يعلم أن اينشتاين سيأتي بعده ويفسر ظاهرة مرور بعض الموجات الضوئية من خلال اللوح الزجاجي وانعكاس البعض الأخر.

في عام 1905، بدأ اينشتاين في تفسير الظاهرة التي عُرفت باسم ”الظاهرة الكهروضوئية“ عن طريق قوانين نظرية الكم الذي افترضها ماكس بلانك، فقال أن الضوء يحمل في نفسه ازداوجية سماها ”ازدواجية الذرة والموجات“.

بمعنى أن الضوء ينتقل كالطاقة التى فرض ماكس بلانك أنها تنتقل بكميات محددة سماها ”الكمّات“، هذه الكمّات في الضوء أطلق عليها اينشتاين اسم ”الفوتونات“ أو ”Photons“. هذا الاكتشاف العظيم قام بثورة في الأوساط العلمية، فبعد أن فتح الطريق أمام اينشتاين لنيل جائزة نوبل عام 1921، فتح المجال أيضًا أمام نظرية الكم كي تتحول إلى علم كامل يسمى ”ميكانيكا الكم“.

ميكانيكا الكم ومعضلات أخرى!

بعد تمهيد الطريق أمام نظرية الكم كي تصبح علمًا مستقلًا يمكن تطويره، وإنشاء فرضيات خاصة به، أصبح مقبولًا كعلم يمكنه الوقوف أمام معضلات الفيزياء التقليدية. وأول هذه المعضلات التي واجهت ميكانيكا الكم (فيزياء الكم) كانت معضلة ثبات الذرة.

فبعد أن قام العالم البريطاني ”إرنست رذرفورد“ بتعريف الذرة وتقسيمها إلى نواة وبروتونات والكترونات وغيرها، وقف أمام معضلة تحرك الشحنات (السالبة والموجبة) بحركة دائرية كما تتحرك الالكترونات حول النواة، وإصدارها لـ”إشعاعات“ تنقسم إلى ”ألفا“ و”بيتا“، فتفقد طاقتها تدريجيًا حتى تصل إلى مركز الذرة فتُصد أو تنحرف عن مسارها.

إرنست رذرفورذ في جامعة مكجيل الكندية، 1905

جاء العالم الدانماركي الكبير ”نيلز بور“ بفكرة _عن طريق نظرية الكم_ واكتشف عن طريقها تفسيرًا لخواص وأطياف/إشعاعات العناصر البسيطة كغاز الهيدروجين، والذي إذا تعرض لحرارة/طاقة كبيرة يتوهج ويصدر إشعاعات زرقاء اللون. لكن ”بور“ توقف عند هذا الحد ولم يستطع تفسير إصدار عناصر أخرى لنفس الأطياف.

إلى أن جاء العالم الأمريكي ”أرثر كومبتون“ ولاحظ أن كمّات الضوء الصغيرة (الفوتونات) عندما تصطدم بجسيمات مشحونة أخرى (الكترونات) تتشتت في كل مكان كما يحدث لكرات البلياردو عندما تصطدم ببعضها البعض. بمعنى أن هذه الفوتونات تتصرف

المجهر الالكتروني

ككجسيمات صغيرة لها كتلة مستقلة، وهذا ما سُمي بـ “ظاهرة كومبتون” والذي حصل بعدها ”أرثر كومبتون“ على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1927.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فدعت هذه الظاهرة العالم الفرنسي ”لويس دي بروي“ أو ”Louis de Broglie“ إلى افتراض غريب آخر، وهو أن الجسميات الصغيرة كالالكترونات أيضًا تتصرف على أنها موجات في بعض اللحظات وتحت ظروف معينة، فقام بعمل تجارب وجد فيها أن الالكترونات تنعرج عند مرورها من شقوق صغيرة جدًا كما تنعرج أمواج الضوء بالضبط. وهذا ما أوصله بعد ذلك إلى اختراع “المجهر الالكتروني” شديد الدقة الذي يستخدمه العلماء حتى الآن في رصد حركة الجسميات داخل الخلايا متناهية الصغر. حصل هذا العالم على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1929 بسبب هذه الفرضيات.

 بداية الفصل بين الفيزياء وميكانيكا الكم

عام 1925 كان بداية محاولات الفصل بين الفيزياء وميكانيكا الكم، فبعد أن وضع ”دي بروي“ أسس معادلة انتشار الموجة، قام بعدها العالم النمساوي العبقري ”إيرفن شرودينجر“ بعمل معادلة تصف كيفية تغير الحالة الكمية للمادة اعتمادًا على الزمن، أو على ثبات/استقرار الذرة في مكانها، والتى قال أنها تنتج موجات أيضًا تسمى بـ”الموجات الراكدة“. هذه المعادلة تم اعتبارها واحدة من أهم نظريات ميكانيكا الكم.

لكن الأمر إزاد غرابة بعد ذلك، فبعد أن دعمت هذه النظرية فرضية أن الالكترونات تتصرف على أنها موجات في بعض اللحظات، بالملاحظة تم اكتشاف أن الالكترونات (والتي يمر بعضها من اللوح الزجاجي وينعكس البعض الأخر) عند تعرضها لمراقب خارجي (الإنسان) يجب أن يراها في حالة واحدة، إما تمر أو تنعكس، وهذا ما جعل علماء الفيزياء أمثال ”هايزنبرج وماكس بورن ونيلز بور“ يقررون اعتبار الالكترونات تقوم بعمل الاثنين معًا، أي أن الالكترون يمر وينعكس في نفس الوقت، وهذه النظرية أرست مبدأ جديد أُطلق عليه اسم ”مبدأ عدم اليقين“. وهو ما جعل اينشتاين يقول أن ميكانيكا الكم لو كانت صحيحة فمعنى ذلك أننا نعيش في عالم مجنون.

في المقال اللي جاي: هنقرا عن الفصل بين الفيزياء وميكانيكا الكم في مبادئ الحتمية/المحلية ومبادئ عدم اليقين، قصة قطة شرودينجر وإزاي ممكن تكون حية وميتة في نفس الوقت.


المصادر:
AIP.EhotoelectricEffect  IUN.Rutherford’sPlanetaryModelOfTheAtom  Britannica.BohrModel  hyperphysic

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق