هجص بلدي

الجاثوم: الخرافة، وكيف يُمكن للعقل أن يكون سببًا في خلقها

كتب: أحمد حسين

سنة 1944، قدم ”يحيى حقي“ روايته العظيمة ”قنديل أم هاشم“، واللي بتتكلم عن شاب مصري سافر للخارج ورجع بعد حصوله على شهادة الطب في مجال طب العيون تحديدًا. وفي يوم من الأيام فوجئ الشاب بوالدته وهي بتستعمل زيت من قنديل مقام السيدة زينب وبتحطه في عينين بنت عمه كعلاج لمرض ما أصاب عينيها.

وبعد فحصه لعيونها بيكتشف الطبيب إن البنت بتعاني من رمد أدى لتلف جفونها ومقلة عينيها، وإن الزيت اللي والدته بتستعمله ده – كنوع من التبرك بأم هاشم – أدى لتلف في عيون البنت المسكينة دي، وسبب لها ضرر أكبر من اللي كانت المفروض تتعالج منه أصلًا.

في اعتقاد الطبيب الشاب، كانت الخرافات دي هي السبب في إصابة بنت عمه بالعمى ، ولو كانت راحت للدكتور وأخدت العلاج المناسب لمرضها، كان تم علاجها بسهولة. لكن دي مكنتش المشكلة الوحيدة لما الطبيب الشاب فتح عيادة له في نفس الحي، لقى إن أهالي الحي مش مستجيبين للعلاج، وإنهم بيفضلوا عليها الزيت “المبروك” لعلاجهم.

وهنا ييجي السؤال المهم، ليه الإنسان بيفضل إنه يؤمن بالخرافات عن العلم لحد وقتنا ده وبعد مرور أكتر من سبعين سنة على فيلم زي ده؟ ليه لحد دلوقتي لسه في ناس مؤمنة بحاجات زي “الزيت المبروك” وبتفضلها على العلاج الناسب اللي بيوصفه طبيب متخصص.

اعرف أكتر| الخرافة والاعلام: إحنا كإعلاميين نحب الهجايص أوي!

الخرافة وعلاقتها بالعقل

في يوم من أيام الأسبوع قررت تلبس قميص جديد مالبستوش قبل كده، وتنزل من البيت، وتمشي في الشارع زي كل يوم، لكن النهاردة الموضوع يختلف وتعدي عليك عربية ماشية بسرعة جدا لدرجة غن كل الطين اللي كان على الأرض بقى على هدومك وشعرك وجذمتك وقميصك الجديد، فترجع بسرعة البيت وتغير هدومك وتنزل تاني.

في تاني، بتقرر تلبس نفس القميص، وتنزل الشارع، يبدأ يومك بشكل عادي، يعدي النهار لحد بعد الظهر كدة واليوم تمام وزي الفل، تحس إنك مبسوط، فتقرر تعزم نفسك على سندوتش شاورما محترم، بعدها بشوية صغيرين، تلاقي معدتك بتوجعك بشدة، ويجيلك تسمم فتقضي اسبوع حلو كدة في البيت مش قادر تقوم من سريرك.

في المرة التالتة اللي هتفكر فيها تلبس نفس القميص، هتفكر ألف مرة قبل ما تلبسه تاني، وممكن تيجي في دماغك فكرة إنك ما تلبسوش تاني أبدا خوفًا من اللي هيحصل المرة اللي جاية لو قررت تلبسه، وبالرغم من إنه منطقيًا القميص مالوش دعوة بالعربية اللي مشيت بسرعة ولا بمدى نظافة وجودة السندوتش اللي أكلته فعملك تسمم، إلا إنك خلاص تشاءمت واللي كان كان.

اعرف أكتر| الخرافة والأمراض العقلية: عين الحسود فيها عود

دايمًا بيحاول عقلنا ربط الأحداث ببعضها بصورة منطقية، فلكل حدث علة ”مبدأ السببية في الفلسفة“، صحيح القميص مالوش دعوة بكل الحوادث اللي تعرضت لها، إلا إن عقلك تعامل معاه كمسبب، وبدأ يربط الأحداث ببعضها، ويتعامل على إن العنصر المشترك بين كل الحوادث دي هو القميص الجديد، ولذلك فالقميص هو المسبب في النهاية.

لكن الموضوع ده لا يتوقف عند فكرة تحويل الهدوم لأسباب حظ سئ أو جيد – بالرغم من إن الهدوم ملهاش دعوة بالكلام ده خالص – لكن العقل هو اللي خلق أنماط معينة من حوادث عشوائية ويربطها ببعضها لرسم صورة كاملة للاحداث.

برنامج “ألعاب العقل”

في واحدة من حلقات برنامج “ألعاب العقل” بيعرض المذيع صورة معينة على مجموعة من البشر، والصورة دي كانت عبارة عن أشكال غير واضحة بالأبيض والأسود، وبيبدأ كل شخص يتخيل إيه اللي ممكن يبقى موجود في الصورة. الغريب إن كل واحد شاف الصورة قال حاجة مختلفة، الصورة مثلًا كانت لمجموعة شباب بيلعبوا كرة السلة، لكل كل اللي شاركوا في التجربة شافوا حاجة تانية، في اللير شافوها كلب أو أرنب أو خروف أو عربية، ولما وضحت الصورة طبعًا تفاجئوا.

بعدها، عرض عليهم المذيع صورة تانية لكن المرة دي كانت مجرد صورة عشوائية مش حقيقية، لكن المشاركين في البرنامج بدأو يفسروا الصورة، فمنهم اللي قال أنها لبيت بيحترق، ومنهم اللي قالت أنها سرب من الأسماك، ومنهم اللي قالت أنها لعربية خارج منها حاجات، ومنهم كمان اللي قالت إنها لديناصور! لكنها طبعًا مش الإجابة الصحيحة لأن الصورة في الأصل مزيفة ومش حقيقية.

”د. سري سارما“ (أستاذ مساعد قسم الطب الحيوي بجامعة جون هوبكنز) بتفسر الموضوع ده على  إن العقل دايمًا بيكون متحمس لربط الأحداث ببعضها زي ما هو شايفها، فلما العقل بيعجز إنه يلاقي تفسير منطقي/علمي للأحداث فيبدأ في خلق تفسيرات ليها، سواء كانت منطقية أو لأ، فهو دايمًا هايبقى عاوز يشوف الصورة الكاملة، ولذلك بيخلق أنماط كاملة من مجرد خطوط عشوائية يربطها ببعضها.  ومن هنا بتنشأ الخرافة، وبيبدأ الإنسان في تصديقها باعتبارها تفسير منطقي للأحداث حتى لو مكانتش كدة.

اعرف أكتر| أشهر 11 خرافة عن المخ لازم نصححها!

أينما وُجِدَ الجهل، وُجِدَت الخرافة

The Nightmare by Johann Heinrich Fussli

في القرون الماضية، العلم ماكنش منتشر زي دلوقتي، وماكنش فيه وسائل تعليمية مختلفة ومتنوعة، لكن العقل هو العقل، ولذلك بدأت الناس في تفسير الظواهر الغريبة، تفسيرات غير منطقية لكنها مريحة وممكن التعامل معها بسهولة.

مثلًا خرافة ”الجاثوم“ دي خرافة انتشرت بشكل كبير في القرن الثامن عشر، بتقول الخرافة دي إن بعض البشر بيفتحوا عيونهم أثناء النوم فميقدروش يتحركوا ولا يتكلموا، وبيشوفوا شبح “جاثم” على صدورهم وحاطط إيده على أفواههم ويمنعهم من الحركة والكلام. فهل يعقل إن يتم تصديق الكلام ده في القرن الواحد والعشرين؟

شلل النوم أو الجاثوم كما سادت الخرافة:

التفسير العلمي للخرافة دي بيقول إنه مرض بيطلق عليه ”شلل النوم“ أو “Sleep paralysis”.  بيحصل لما المخ والجسم يكونوا مش متفقين في حالة الاستيقاظ، بمعنى إن العقل بيكون صاحي، وبدأ في الخروج من حالة النوم فيما يسمى بـ(Rapid eye movement) لكن الجسم بيكون لسة مقتنع إنه على نفس حالة النوم.

الحالة  دي ممكن تستمر لثواني، أو توصل في بعض الأحيان إلى عدة دقائق. في أثنائها بيعتقد المصاب أنه بيحتضر، أو أنه مات بالفعل، فيبدأ العقل بالهلوسة، ومن هنا انطلقت خرافة ”الجاثوم“ ، وانتشرت نتيجة الجهل المنتشر في القرن الثامن عشر، لكن مش معقول أبدًا إنها تفضل موجودة لحد دلوقتي.

ومن رأيي، لا يجوز استخدامها إلا كمشهد في أفلام الرعب مثلًا، مش كمادة للدجل والكلام عن الأشباح وكل الخرافات الغريبة اللى من المنصف أنها تكون اختفت حاليًا وبشكل نهائي، لأنه كل ما يزيد العلم، تقل الخرافة، وكل ما وجد العقل تفسيرات علمية للأحداث اللي بيمر بيها، هيقل خلقه لأنماط عشوائية مفيش ليها أي أساس من الصحة.


المصادر: elsevier webmd web.stanford

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق