.
ليه وإزاي؟

رأيي صواب لا يحتمل الخطأ.. أو ليه صعب تكسب جدال على الإنترنت؟

كتب: أحمد حسين

مرة كنت واقف مع صحابي بعد السحور وصلاة الفجر. كنّا تقريبًا في نص شهر رمضان ومش لاقين حاجة نعملها في الوقت ده، فقعدنا نرغي. عادةً، الكلام بيبقى عن الكورة أو العربيات أو حياتنا أو لعبة بلايستيشن جديدة، بس المرة دي الكلام كان مختلف؛ كان عن سؤال هل الكون فيه كائنات فضائية عايشين على كواكب تانية ولا لأ؟ وقتها كنت مقتنع تمامًا بإنه مفيش كائنات غير اللي على الأرض، وواحد من أصحابي كان مُقتنع بالعكس. اتهزّيت شوية، بس رفضت اقتنع برأيه، وماحدش فينا حسم الجدل.

الانحياز التأكيدي هو السبب

الجدال أمر أساسي لأي تفاعل اجتماعي. بيظهر في حياتك مع عيلتك وعلاقتك بأصدقائك وزمايلك في الشغل وحتى الناس اللي ماتعرفهاش، سواء في المواصلات أو على صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة. في أي جدال هتلاقي مجموعتين مقتنعين إن رأيهم صح ورأي غيرهم بالتأكيد غلط، فبيحاولوا يتجادلوا لعل وعسى اللي قدامهم يفوق ويرجع لصوابه ويقتنع إن رأيه غلط.

اعرف أكتر| أنا مش روبوت يا جوجل!

في الجدالات فيه ما يسمى “الانحياز التأكيدي – Confirmation Bias”، ومعناه إنه الواحد فينا دايمًا بيدوّر على أدلة تؤيد اقتناعه بالرأي أو الفكرة اللي هو مقتنع بيهم بالأساس. مثلًا، لو عندك مدير سيء في الشغل، وعمل أو قال أي حاجة، غالبًا الحاجة دي هتبقى بالنسبة لك خطوة فاشلة، والعكس صحيح، لو بتحبه أي حاجة هيعملها هتبقى كويسة. فالقياس على الانحياز التأكيدي مش مظبوط أوي، هو انحياز عاطفي أكتر منه منطقي وبالورقة والقلم.

والانحياز التأكيدي ده بينتج عنه ما يُسمى “التأثير العكسي – Backfire Effect”، اللي بيظهر بشكل واضح لما تحاول تقنع حد بفكرة هو مش مقتنع بيها. مثلًا لو بتحاول تقنع شخصٍ ما بظاهرة الاحتباس الحراري، أو مثلًا إن الأرض كروية مش مسطّحة، وعمّال تجيب له مصادر من دوريات علمية محترمة، وعملت كل اللي عليك علشان تقنعه بالصح _من وجهة نظرك_ هتلاقي إن معرضته ازدادت قوة وبقى مقتنع بيه أكتر.

العلماء حاولوا يدرسوا فكرة التأثير العكسي وسبب حدوثها، واكتشفوا إنك لما بتقول قدام الشخص المُختلف معاك أسباب الخلاف في الرأي ده، هو بيتكرر على مسامعه الكلام، ورغم إنك بتقوله علشان تقول له إنه غلط، إلا إنه بيتمسك برأيه أكتر، لأنه بيحس إنه كلام مألوف أكتر. عارف إن الكلام غريب شويتين ويمكن مش واضح، بس خلوني أحكي لكم حكاية كده.

الصورة: Odyssey

بيقولك سنة 2005 اتنشرت دراسة في “Journal of Consumer Research” اشتغل عليها 4 باحثين. الدراسة بعنوان “How Warnings About False Claims Become Recommendations”، أو إزاي التحذيرات حوالين الادّعاءات الخاطئة بتتحول لتوصيات. الدراسة شارك فيها 335 شخص، أخدوا ورقة فيها حقائق علمية وخرافات، والمطلوب يصنفوهم أنهي فيهم حقائق وأنهي خرافات.

بعد ما الباحثين جمعوا الورق، قالوا للمشتركين إيه الحقائق وإيه الخرافات. وبعد 30 دقيقة سألوهم تاني على نفس الورقة، والناس جاوبوا بشكل مظبوط أكتر المرة دي، وقدروا يفرّقوا بين الحقائق والخرافات. لكن بعد 3 أيام الباحثين جابوا نفس الناس وادّوهم نفس الورقة اللي فيها الحقائق والخرافات، وقالوا لهم يعملوا نفس الحاجة ويصنفوهم برضه.

اللي حصل بقى المرة دي كان مختلف تمامًا. الناس تقريبًا بقوا بيغلطوا أكتر من أول مرة خاضوا فيها التجربة، وبقوا يختاروا الخرافات على أساس إنها الحقائق مش العكس. العلماء شافوا إن ده سببه تحوّل الخرافات بالنسبة لهم لأشياء مألوفة شافوها كتير، فبقوا يتعاملوا معاها على إنها حقائق. خليك فاكر الكلام ده، علشان لما تحاول تقنع صاحبك بأفكارك ماتكررش أفكاره في كلامك، لأنه في الغالب هيقتنع بيها أكتر.

اعرف أكتر| هل ممكن نعتمد على الإنترنت في تشخيص الأمراض؟

الجهل جميل

كاتب أمريكي اسمه “ويليام فيزر” قال إنه المُتعلم هو الشخص اللي قادر يفرق بين اللي يعرفه واللي مايعرفوش. وزي ما هو معروف لأغلبنا، فكرة إنه بعض الناس يقولوا “مانعرفش” دي صعبة جدًا. هما غالبًا طول الوقت مش مدركين حجم معرفتهم، ودول اللي بنقول عليهم فتّايين. الفتّايين غالبًا بيكونوا جهلة، والجهل بيديهم شجاعة في إبداء الرأي.

إيه اللي بيخليني أذكر الجهل أو الفتي في مقال زي ده؟ السبب إنه بيخلّي الشخص واثق جدًا من نفسه، ويتناقش ويتجادل في نفس الوقت من خلال أفكار مُعلّبة ومُسبقة، وماعندوش أي فرصة للشك في أفكاره ومحاولة التأكّد منها، بس طول الوقت عنده شك في كلام اللي قدامه، طالما مش متوافق مع أفكاره ومعتقداته الخاصة. الكلام ده ينطبق على الجدالات الدينية والسياسية والعلمية وحتى الثقافية والفنية والكروية.

الصورة: Chemistry World

سنة 2013، اتعملت دراسة في جامعة ييل الأمريكية عن الانحياز التأكيدي وعلاقته بالجهل والتمسّك بالأفكار، وشارك فيها آلاف الأمريكيين. الباحثين قسّموا الناس لمجموعتين، مجموعة مؤيدة لقوانين حمل السلاح (Gun Control Laws)، ومجموعة غير مؤيدة للقوانين ومع حمل السلاح بشكل حر لكل المواطنين.

اعتمد الباحثين على نسختين مزيتفتين لدراسة واحدة قالوا إنهم عملوها. واحدة فيهم بتؤيّد قوانين حمل السلاح وواحدة ضدها. ووزّعوا النُسخ بشكل عشوائي على المجموعتين، وسألوهم هي الدراسة بتتكلم عن التأييد ولّا الرفض؟ واكتشف الباحثين إن الناس المؤيّدين للقوانين قالوا إن الدراسة بتتكلم عن التأييد، والرافضين قالوا العكس، بغض النظر عن اللي بتقوله البيانات اللي معاهم في الدراسة المزيفة.

إزاي نحسم الجدل؟

أما بالنسبة للشق الخاص بالفوز في الجدال أو حسم الجدل، فدرسه باحثين من جامعة كورنيل الأمريكية سنة 2016، عن طريق تحليل أكتر من 12 ألف جدال على موقع “Reddit”. وحاولوا يعرفوا إيه القاسم المشترك بين كل الجدالات اللي انتهت بإن طرف من الطرفين يغيّر رأيه، واكتشفوا إن فيه نمط فعلًا مشترك، بيتعلّق غالبًا باللغة والمفردات المُستخدمة في النقاش.

أول حاجة لاحظها العلماء إن اللي بيعارض مايستخدمش أي كلمة بيستخدمها صاحب المناقشة. يعني مثلًا لو فيه جدال عن مين أحرف ميسي ولا كريستيانو، وصاحب المناقشة بيقول ميسي، لو دخل حد يعارضه مايذكرش السيء في ميسي، بل يذكر الكويس في كريستيانو. ده بيخلي النقاش أو الجدال رايح جاي وفيه مساحة من إبداء الآراء مش مجرد قفش.

الصورة: Be Yourself

تاني حاجة استخدام مفردات معينة. زي مثلًا استخدام ضمير “أنا” بدل من ضمير “إحنا”، ده بيدل على إن الشخص ده يقصد إن كلامه مجرد رأي شخصي، مش رأي جمعي خاص بجماعة أو حزب أو اتجاه. وعدم استخدام بعض المفردات زي “أي حد” و”أكيد” و”مستحيل” لإنه بيدّي مساحة للشك والجدال والنقاش. زي مثلًا لما تقول لحد “ما أكيد أي حد لما بيجي له برد بياخد مضاد حيوي من غير ما يكشف”، ده كلام يخلّي النقاش معاك صعب وعامل زي الدايرة المفرغة.

فيعني أنا مش ضد النقاشات والجدالات أو إبداء الرأي أيًا كان الرأي ده. بس بلاش النقاش ياخد حجم أكبر من حجمه، ويبدأ الطرفين في تخوين أو تكفير أو شتيمة بعض. وما تنسوش لو عاوز تقنع اللي قدامك تعمل التلات حاجات اللي قلناهم فوق، وخليك هادي كده عشان النقاش ينتهي بشكل لطيف حتى لو ما تمش حسمه وحد اقتنع برأي التاني.

ها احكوا لنا بقى عن أخر جدال ليكم على الانترنت؟ وهل اقنعتوا الطرف التاني أو انتوا اقتنعتوا؟


المصادر:  bbc  psychologytoday  psmag  ncbi  washingtonpost  arxiv  djflynn  avclub  youtube  jstor  ssrn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى