الملف

نظرية الكم 1: البداية وما قبلها

كتب: أحمد حسين

في أواخر القرن التاسع عشر، قرر بعض علماء الفيزياء الكِبار أن علم الفيزياء أصبح علمًا مكتملًا، وأنه لا يمكن إضافة أي شيء جديد له. مثلًا عالم الفيزياء ”جيمس ماكسويل“ قال أن ثوابت الفيزياء كلها ستكتمل فريبًا، و”أن أقصى ما يمكننا فعله حينها هو حساب المعادلات مرة أخرى بدقة أكبر فقط“.

لم يكن ”جيمس ماكسويل“ وحده من يقول هذا، فعندما جاء الشاب ”ماكس بلانك“ إلى جامعة ميونخ ليدرس، وكان محتارًا بين دراسة الفيزياء والرياضيات، فقابل أستاذ الفيزياء في الجامعة ”د. فيليب فون جولي“ فقال له أنه يفضل لماكس _بما أنه ذكي وله مستقبل_ أن يختار الرياضيات، لأنه رأى أن الرياضيات ستغير شكل العِلم في السنوات القادمة، أما الفيزياء فأصبحت علمًا منتهيًا تمامًا، وأن جميع ثوابته قد اكتملت ولم يعد هناك جديد يضاف. لكن لحسن الحظ، أن ماكس بلانك لم يقتنع بهذا الكلام، وقال أنه لا يريد تغيير شيئًا في العلم وفضّل دراسة الفيزياء وبدأت معه رحلة تغيير وجه الفيزياء للأبد.

ما قبل نظرية الكم

في عام 1860 جاء عالم الفيزياء الألماني ”غوستاف كريشهوف“ باكتشاف جديد يقول أن الأجسام السوداء يمكنها إصدار أطياف/إشعاعات ملونة فقط عند تعرضها للحرارة، وهذه الأطياف/الألوان تتدرج مع تدرج الحرارة.

قام بعض علماء الفيزياء التجريبية بعدها بتجربة لإثبات هذا الاكتشاف والتحقق منه. جاءوا بصندوق معدني صلب لونه أسود ووضعوه على النار وعرضوه لحرارة كبيرة لكن بالتدريج، وجدوا أن الصندوق من الداخل بدأ يتغير لونه، من الأزرق إلى الأخضر إلى الأصفر إلى الأحمر، وكلما كانت الحرارة أعلى كلما كان الضوء/الطيف المنبعث من اللون أقوى.

لكن ما الذي جعل جسمًا صلبًا لونه أسود يُخرج هذا العدد من الأطياف والألوان؟ السبب كان أن اللون الأسود يمتص جميع الألوان الأخرى ولا يعكس منها شيء إلا عندما يتعرض لحرارة/طاقة عالية جدًا، لكنه لم يكن يُظهر هذه الألوان على أنها إشعاعات لها مسار محدد مثلًا، بل كان يعرضها كموجات تتغير أوقات ظهورها وبقائها على حسب طول الموجة الخاص بكل لون.

الضوء وإشعاعاته العجيبة

توقف بعض العلماء من بعد ”غوستاف كريشهوف“ عند الحد الذي يقول أن الأجسام السوداء تنتج ألوانًا بأطياف موجية مختلفة الطول بعد تعرضها للحرارة الشديدة. لكن البعض الأخر لم يستسلم عند هذا الحد، فجاء العالم الألماني ”هينريش هيرتز“ وحاول قياس أطوال الموجات التي تصدرها الأجسام السوداء، لكنه اصطدم في النهاية بحائط سد عندما وجد أن هذه الموجات تتحول في نهاية الأمر إلى ضوء مشابه لضوء الشمس ثم تتحول إلى إشعاعات فوق البنفسجية. سميت هذه النتيجة الصادمة ”كارثة الما-فوق بنفسجية – Ultraviolet catastrophe“.

المشكلة ليست فقط في صعوبة تحليل الإشعاعات فوق البنفسجية، المشكلة أن الضوء المشابه لضوء الشمس أيضًا عند تعرضه لمنشور (Prism) فإنه ينقسم إلى سبعة ألوان عُرفت فيما بعد بـ”ألوان الطيف“، غير أنه في لحظات أخرى، عند تعرضه لمادة صلبة شفافة (لوح زجاجي مثلًا)، فإن بعضه يمر من خلاله والبعض الأخر ينعكس، أي أنه لا يتعامل معه بطريقة واحدة (يمر أو لا يمر) وهذا الأمر كان محيرًا جدًا بالنسبة لجميع العلماء. عُرفت هذه الظاهرة باسم ”الظاهرة الكهروضوئية – Photoelectric effect“.

كلمة السر: ماكس بلانك

ماكس بلانك

في عام 1894، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان الشاب ”ماكس بلانك“ قد أصبح في السادسة والثلاثين من عمره وأستاذًا للفيزياء بجامعة ميونخ، أثار أنتباهه فكرة ”الأجسام السوداء“ التى تصدر هذه الأطياف الموجية المختلفة، والتي تصل في النهاية إلى ما يسمى بـ”كارثة الما-فوق بنفسجية“، فقرر فك شفرة الأمر كله، وبما أن الأمور الكبرى تحتاج إلى حلول كبرى أيضًا وغريبة في بعض الأحيان، فقرر ماكس بلانك حينها استخدام فرضية غريبة على الفيزياء ككل.

كانت الفيزياء الكلاسيكية تتعامل مع الطاقة على أنها وِحدة واحدة لكنها تنتقل بكميات مختلفة وبقيم مختلفة، حتى جاء عام 1900 وتغير وجه الفيزياء تمامًا، عندما افترض بلانك أن الطاقة تنتقل بكميات محددة لا يمكن تقسيمها عُرفت باسم “الكمّات” والتي انطلقت منها فكرة ”نظرية الكم“ من الأساس.

 

 

في المقال اللي الجاي: هنقرا عن نظرية الكم كما شرحها بلانك، وكيف حصل اينشتاين على نوبل بسبب هذه النظرية.


 المصادر:  galileo.phys.virginia  AIP.EhotoelectricEffect

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق