.
نوّرها

تيسلا وإديسون: حرب التيارات بين الأسطورة والحقيقة

كتب: أحمد حسين

سنة 2006، أخرج المخرج الأمريكي ”كريستوفر نولان“ واحد من أفضل أفلامه وهو فيلم ”The Prestige“. الفيلم بيتكلم عن منافسة ملحمية بين ساحرين في القرن التاسع عشر. ليه المنافسة دي بقول عليها ملحمية؟ لأنها طول أحداث الفيلم ومع تصاعد قوة الحبكة، بيبدأ الموضوع يتخطى فكرة المنافسة ويدخل في سرقة وعنف وعداء قوي ورغبة ملحة حد الجنون في كشف سر الخدعة السحرية!

the-prestige-explained

في أحد مشاهد الفيلم، الساحر أنجير (اللي قام بدوره الممثل هيو جاكمان) بيروح لمكان معزول، علشان يقابل العالم العظيم ”نيكولا تيسلا“ (اللي قام بدوره ببراعة نجم الروك ديفيد بوي). أنجير كان رايح لتيسلا علشان يخترع له جهاز ينقله من مكان لمكان عن طريق خلق مجال كهرومغناطيسي بين المكانين. أنجير اختار تيسلا بالذات عشان يقوم له بالمهمة دي لعلمه بإن تيسلا عنده دايمًا شغف بالكهرباء وبيتعامل معاها بشكل أشبه بالسحر، وده اللي خلّى بعض الناس يطلقوا عليه لقب ”ساحر الغرب“.

على الجانب الآخر، كان الساحر بوردين (اللي قام بدوره الممثل كريستيان بيل)، شغال بالفعل على خدعة الانتقال من مكان لآخر في أقل من ثوان معدودة، وكان بيستخدم في الخدعة دي فكرة الاتصال المباشر ما بين المكانين عن طريق تيار كهربي بيسري بينهم عن طريق كابل أو سلك مرتبط بيهم. ساعتها المفروض في الفيلم كان تيسلا برضه اللي اشتغل لبوردين على الموضوع ده لكن الفكرة بتاعة التيار اللي ماشي بين مكانين بشكل مباشر دي خاصة بالمنافس الشرس لتيسلا وهو ”توماس إديسون“، واللي بعض الناس لقبوه بإنه ”ساحر منلو بارك“.

Tesla-The-Prestige1

الفيلم بيوضح صراعين بيدوروا في نفس الفترة تقريبًا، صراع أساسي بين الساحرين أنجير وبوردين، وصراع هامشي بين تيسلا وإديسون، بيظهر الصراع الهامشي ده في مشهد عابر من الفيلم، لما كان في ناس بييجوا من طرف إديسون يسألوا على تيسلا في البلد اللي عايش فيها على أطراف المدينة، ده غير إن إديسون كان بيبعت نفس الناس دول يدمروا معارض تيسلا اللي بيعملها علشان يعرض شغله، طيب هو إديسون بيعمل كل ده ليه؟

جرس انطلاق الحدث الأهم وقتها

الموضوع بدأ، لما تيسلا اشتغل عند إديسون (مخترع اللمبة وقتها)، تيسلا كان مهاجر صربي ألمعي وشديد الذكاء جاي على أمريكا علشان يحقق حلمه. إديسون بقى كان الرجل العصامي اللي بنى نفسه من الصفر وصاحب الشركة الضخمة العظيمة اللي بناها طوبة طوبة. إديسون تعليمه ماكانش جامعي وعلّم نفسه بنفسه عكس تيسلا اللي كان واخد شهادة في الفيزياء والرياضيات من جامعة جراز للتكنولوجيا ”Graz University of Technology“ بالنمسا. لحد هنا والكلام كويس، والاتنين سمن على عسل ومفيش أي مشاكل ما بينهم، طيب إيه اللي حصل علشان الكلام ده يتغير؟

اللي حصل ببساطة إن إديسون وتيسلا اختلفوا على شكل التيار الأفضل واللي المفروض يُستخدم في كل تطبيقات الكهرباء، يعني إديسون كان شايف إنه التيار المباشر (DC) وتيسلا كان شايف إنه التيار المتردد (AC). طيب إيه الفرق بين الاتنين؟ مثلًا، التيار المباشر ده معناه إن الكهرباء لما بتسري في اتجاه محدد فقط، التيار بيكون له توتر (Volt) ثابت. أما التيار المتردد، فبيكون عبارة عن شحنة كهربائية متعددة الاتجاهات، والفولت أو التوتر فيها أعلى ومش ثابت.

teslavedison

طيب دول بنستخدمهم في إيه؟ التيار المباشر بيستخدم في اللمبات والخلايا الشمسية والأجهزة اللي بتشتغل على بطاريات، أما التيار المتردد فبيستخدم في الأجهزة المنزلية ومحطات الراديو وموتور العربيات. طيب ما كده ممكن يشتغلوا مع بعض من غير مشاكل؟! كلام جميل، لكن الحقيقة إنه لا تيسلا ولا إديسون كانوا شايفين كده. تيسلا لما عرض المشروع على إديسون، كان رده إن الفكرة عظيمة ومبتكرة بس مش عملية، وده خلي تيسلا يحس بالإهانة وقال إنه إديسون مابيبصش غير تحت رجليه، وإنه راجل دؤوب ونشيط بس ما بيفكرش كويس لدرجة إنه لو بيدور على إبرة في كومة قش، هيفضل يدور في الكومة كلها ومش هيفكر في الإبرة ممكن تكون وقعت فين وبس.

الملحمة والجنون!

لحد وقتها الموضوع كان عادي يعني ومنافسة بين علماء زي ما بتحصل منافسة بين أي اتنين ناجحين في مجالهم، بس المشكلة إن الموضوع في وقت من الأوقات تخطى مرحلة المنافسة ودخل في مرحلة الجنون. إديسون علشان يثبت فكرته، في إن التيار المباشر أفضل من التيار المتردد، جاب فيلة اسمها ”توبسي“ وصور فيلم قصير صامت عن إعدامها بالتيار المتررد (اللي الفولت بتاعه أعلى من الفولت بتاع التيار المباشر)، كل ده علشان يقول إن التيار المتردد خطر!

ea08_tesla_edison_dd

طبعًا كل ده مافرقش في حاجة، ليه؟ لأنه تيسلا في النهاية هو اللي انتصر. تيسلا راح باختراعه (التيار المتردد) لشركة ”ويستنينجهاوس“ لصاحبها جورج ويستنينجهاوس واللي دعم تيسلا جدًا في إختراعه، لدرجة إنه مضى عقد مع الدولة لإنارة ولايتي نيويورك وبافلو، العقد بينص على وضع مولد كهرباء بيعمل بالطاقة الكهرمائية عند شلالات نياجرا. بعدها، انتشر استخدام التيار المتردد لدرجة إنه أصبح حاليًا هو التيار السائد والمستخدم في العالم كله.

الحرب بين الأسطورة والحقيقة

المشكلة، إن الموضوع ده من أكتر المواضيع اللي تم تأليف قصص عنها، بعضها من خيال المؤلفين وبعضها حقيقي، يعني القصة فعلًا تحولت لأسطورة وملحمة وأُضيف ليها التوابل الخاصة علشان تشد الناس وتعجبهم. زي مثلًا لما قالوا إن إديسون عرض على تيسلا مبلغ 100 ألف دولار لو عدّل له نظام التيار المباشر، بعض الباحثين قالوا إن ده مش حقيقي لأن المبلغ ده كان يعتبر ساعتها رأس مال شركة كاملة، وإديسون عمره ما يدي المبلغ ده لحد.

ده غير إضافة البُعد الملحمي والدرامي، ووضع تيسلا في مكانة أقل من مكانته الحقيقية علشان يظهر كبطل مأزوم لم يأخذ حقه في التقدير، ويظهر إديسون في شكل الراجل الشرير الكلاسيكي اللي بيقف في وش البطل، كبداية الخلق ووقوف الشيطان بالمرصاد للإنسان وكده رغم إن تيسلا كان فعلًا من العلماء المرموقين وقتها، ونزلت صورته على غُلاف مجلة تايمز الشهيرة وكل حاجة.

Nikola_Tesla_on_Time_Magazine_1931

في النهاية يعني، الموضوع عاد علينا بفايدة كبشر مستخدميين، في إننا أصبح عندنا تيارين مختلفين من الكهرباء ممكن نستخدمهم في أوقات مختلفة، وكسبنا قصة شديدة الحيوية ممكن الروائيين والمبدعين عمومًا يستخدموها زي نولان كده ما عمل، وينتجوا لنا روايات وقصص وأفلام عنها، فيعني باختصار، مش تيسلا بس اللي طلع كسبان، إحنا كمان كسبنا.


المصادر: mentalfloss
history
livescience
syr-res

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى