.
نوّرها

الكبت الجنسي: بين المعزة وعدم الاختلاط!

كتبت: مها طــه

بما إني من الناس اللي دايمًا بتتابع السوشيال ميديا وبتهتم بالأراء ووجهات النظر المختلفة تحديدًا، لفت نظري انتشار البوست ده على الفيسبوك.

17352954_1683271131702017_2069770474_n

هنا البنت صاحبة الكلام بتتكلم عن الحياء والخجل وبتضرب مثال عليهم بإنها هي وأختها ما بيحضروش حصص الأحياء وبيسقطوا فيها عشان خجلهم وحياءهم بيمنعهم من دراسة تشريح ووظائف الأعضاء التناسلية!

خلال اليومين اللي فاتوا ظهرت حاجة تانية أقوى بكتير من وجهة نظري، وهي المكالمة الشهيرة طبعا بين اتنين من أولياء الأمور، بسبب مشكلة حصلت في واحدة من المدارس، واللي أصبحت التريند الشهير على السوشيال ميديا بمكالمة المعزة والبويز. الحقيقة إن المكالمة دي على الرغم من إنها قد تبدو للحظة هزلية وتستدعي الضحك والسخرية عند بعض الناس، إلا إنها بمثابة مؤشر خطير لازم ننتبه ليه.

الكبت الجنسي .. بين المعزة وعدم الاختلاط

أهم ما لفت نظري في المكالمة الشهيرة دي، هي الكبت الجنسي اللي بتعبر عنه كل كلمة من كلمات الأب أو الأم!

مبدئيًا وجهة نظر الأم بتتلخص في فكرة بسيطة وهي إنها بتمنع طفلة عمرها لا يتعدى 8 سنين – حسب ما أظن – من الاختلاط مع الأطفال الذكور اللي من سنها بدافع إن ده حفاظ على الأخلاق والدين، وإن حتى أخوها اللي في خمسة ابتدائي لو لقاها بتسلم على ولاد أو غيره بيضربها. أما الأب فهو بيتعامل على النقيض تمامًا، ابني ذكر حر من حقه يعمل اللي يعجبه مهما كان و «اللي عنده معزة يربطها!».

الأم والأب هنا عبروا عن قناعاتهم هما ووجهة نظرهم في الجنس الآخر وكيفية التعامل معاه، لأنه بالطبع بالنسبة للطفلين فاللي الأب والأم هنا بيتكلموا عنهم بالنسبة لهم  كلام مش مفهوم أصلًا، هو مجرد طفل بيغلس على زميلته في الفصل وغالبًا لما حب يصالحها عمل الحاجة الطبيعية من وجهة نظره وهي إنه يبوسها، أو لو افترضنا إنه حتى مجرد بيلعب معاها أو بيقلد حد كبير، ففي النهاية بالتأكيد هما كأطفال ماتعاملوش أبدًا مع الموضوع كفعل جنسي.

وفقًا لـ«سيجموند فرويد» –مؤسس علم التحليل النفسي- الكبت الجنسي بيقع على رأس المشكلات النفسية اللي يتؤرق البشرية كلها، وهو أول من قال إن قمع السلوك الجنسي في الصغر بينعكس بشكل كبير على السلوك في مرحلة البلوغ، وخصوصًا مع مجتمع مازال بيعتبر الجنس شئ مكروه وعيب ولا يصح، وغالبًا ده بيتم بدافع أخلاقي لدفع الشخص لعدم التفكير في الجنس ما لم يكن متزوجًا.
الكبت الجنسي

وبما إننا ذكرنا الجواز هنا فإحنا لازم نقول إن الكبت الجنسي غالبًا مالوش علاقة بقدرة الشخص ده على ممارسة الجنس أو عدمها، والدليل إن كتير من المتزوجين بيعانوا عادي جدًا من الكبت الجنسي وأنواع تانية من المشاكل النفسية المتعلقة بفشل العلاقة الجنسية، واللي كلها بيكون السبب وراها هو إننا مجتمع محافظ مايقدرش يناقش مسألة مهمة زي الجنس لأنها عيب.

تعريف مصطلح الكبت الجنسي هو عدم قدرة الشخص على التعبير عن مشاعره الجنسية، وبيرتبط غالبًا الشعور ده بمشاعر من الخزي والعار والإحساس بالذنب في حالة التعبير عن الرغبات الجنسية -حتى لو كان الشخص متجوز أو متجوزة- وبالطبع بتختلف الأخلاقيات الحاكمة للتعبير عن الجنس من ثقافة لثقافة و من مجتمع لمجتمع وأحيانًا من جنس للتاني، زي عندنا بالظبط إحنا بنتعامل في الغالب عادي مع تعبير الراجل عن رغباته لكن الست لأ.

أسباب مرض الكبت الجنسي وتداعياته

بوجه عام، المعايير الثقافية والمجتمعية بتكون هي السبب الرئيسي وراء الكبت الجنسي. بحسب رأي دكتورة «فيينا تشاكرافارثي»، المعالجة النفسية وأستاذة النفسية والعصبية، فإن الكبت الجنسي غالبًا بيحدث بسبب المعايير الأخلاقية والاجتماعية وإن النظم الاخلاقية وطريقة الإرشاد الأبوي في التربية والتعليم وهيكل الأسرة نفسه كلها عوامل مؤثرة جدًا في حدوثه أو عدمه.

في مجتمعنا بقى مش بس منظومة الأخلاقيات اللي فيها خلل، لكن كمان إحنا عادةً بنطعمها بصبغة دينية لإثبات صحتها ولو بلوي دراع الدين نفسه، وبالمناسبة إحنا هنا مش لمناقشة الأمر من منظور ديني، لأن كل شخص حر تمامًا في معتقده الديني طالما لا يوقع ضرر على الآخرين بأي شكل من الأشكال.

استخدام الصبغة الدينية في هذه الأمور غالبًا بيندرج تحت بند تقوية الشعور بالذنب في حالة التفكير في الجنس أو السعي له، ومن أشهر الأمثلة تاريخيًا في الموضوع ده هو ما نشرته مجلة «نيو أورليانز» الطبية والجراحية سنة 1850، عن إن الاستمناء هو العدو الأخطر للمجتمع، وقالوا وقتها بالنص «لا الطاعون ولا الحرب ولا الجدري ولا حشد من الشرور المماثلة أسفرت عن كارثة مدمرة للبشرية أكثر من عادة الاستمناء، فهي العنصر المدمر للمجتمع المتحضر».

طبعًا الكلام ده وعلى الرغم من مرور أكتر من 150 سنة عليه إلا إننا لحد دلوقتي على الأقل في مجتمعنا لسة بنررد كلام شبيه ليه عن إن الاستمناء بيسبب العمى وإنه وباء بيضرب المجتمع، وده طبعًا مخالف لكل  ما هو علمي.

اعرفوا أكتر عن العادة السرية من هنا.

رجوعًا للادعاءات العلمية اللي نشرتها المجلة دي، فالتصريحات دي ألهمت الدكتور «جون هارفي كيلوج» إنه يعمل حملة للقضاء على الاستمناء من الولايات المتحدة الأمريكية كلها، وبدأ يشتهر «كيلوج» كواحد من كبار معلمي الجنس وكطبيب يعمل بنوع من السلطة الأخلاقية لإرشاد الآباء بشأن التربية الجنسية السليمة لأطفالهم.

الكبت الجنسي

“كيلوج” كان بيدعي دايمًا وبفخر إنه لم يختبر فكرة الجماع مع زوجته على مدار 40 سنة من جوازهم!

الحقيقة إن هي دي الفكرة الأساسية اللي كان بيروج لها كيلوج وكل اللي شبهه، وهي فكرة احتقار الجنس، وفرض حالة من اللوم وضرورة الشعور بالعار والأثم كنتيجة لممارسة فعله، لدرجة إنه كان بيدي توجيهات للآباء عشان يقدروا يتعاملوا مع الاستكشاف الذاتي الطبيعي اللي الأطفال بيقوموا بيه لأجسادهم تحت عنوان «علاج الإيذاء الذاتي وآثاره».

النموذج اللي قدمه «كيلوج» مع إنه يبدو مختلف شوية عن الحالة اللي طرحها الأب والأم في المكالمة الشهيرة دي، إلا إنهم الاتنين بيكرسوا لفكرة مهمة جدًا وهي الكبت الجنسي بدافع أخلاقي وفرض وصايا على النفس وبالتبعية على الآخرين وعلى المجتمع كله.

هنا ممكن نقتبس من الكاتب «أندرو سوليفان» لما كتب إن قمع المشاعر الأساسية وإنكار الحب والتعبير عنه غالبًا بيؤدي إلى تشويه في الشخصية وفقدان المنظور السليم للتعامل مع الأمور الجنسية، طبعًا كل ده بيترتب عليه اللي إحنا بنشوفه يوميًا حوالينا وبيتجلى في مظاهر كتير.

فقدان المنظور السليم ده كان هو السمة الأساسية في كلام الأب والأم في الحادثة اللي اتكلمنا عنها، هما غالبًا تمت تربيتهم وفقًا للمعايير الاخلاقية اللي بيفرضها المجتمع على الجنس زي ما قال عنها نزار قباني «صوروا الجنس لنا غولًا بأنيابٍ كبيرة». وعشان كده الكبت الجنسي ظهر وبوضوح في رؤيتهم وتعاملهم مع موقف بين أطفال على إنه فعل ذو طابع جنسي بالرغم من إنهم كان لازم يتعاملوا معاه بشكل مختلف تمامًا، كآباء عليهم عاتق تربية وتنشئة أطفال نفسيتهم سوية.

في النهاية الكبت الجنسي مبيطلعش بس في شكل واحد، لكنه زي الشبح اللي له 100 وش بيظهر بيهم في مواضع مختلفة وبأشكال مختلفة، ودي الحقيقة لا يمكن يكفيه مقال واحد للحديث عنه، ولذلك هيكون في سلسلة من المقالات اللي هنتكلم فيه عن الكبت الجنسي وعلاقته بكتير من الآفات النفسية والسلوكية اللي بيعاني منها المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى